بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
كلامي اليوم عن: "الإسلام في الأندلس: تاريخا، وحاضرا، ومستقبلا"، أود أن أجزئه إلى عدة أقسام:
ماضي الإسلام في الأندلس
أولا: سأتكلم – إن شاء الله – عن الماضي، وأبين بعض التوضيحات، وبعض المعلومات التي ربما انتشرت في كتبنا التاريخية والتي تتنافى مع الواقع، ثم أبين التسلسل المتواصل بين ماضي الإسلام في الأندلس والانبعاث الإسلامي اليوم الذي نراه في دولة إسبانيا.
وفي الحقيقة؛ منذ ثلاثة شهور تقريبا اعترفت الحكومة الإسبانية لأول مرة منذ سقوط غرناطة بالدين الإسلامي كإحدى الديانات الإسبانية الأساسية التي تستحق المساندة على نفس المستوى مع الدين الكاثوليكي واليهودي، وهذا لا شك سيفتح بابا جديدا للإسلام ومستقبلا مشرقا بإذن الله.
فتح الأندلس لم يكن غزوا:
تعلمنا في كتب التاريخ – أو في بعضها على الأقل – أن العرب دخلوا الأندلس سنة 711 ميلادية، وخرجوا منها سنة 1492 بعد "حرب استرداد طويلة" من طرف الإسبان. وهذا يتنافى مع الواقع تماما؛ لأن فتح الأندلس من طرف المسلمين لم يكن غزوا استعماريا لشعب أزاح شعبا آخر كما يقع الآن في فلسطين وكما وقع في القرون الماضية من طرف الدول الأوروبية الغازية التي احتلت شمال أمريكا مثلا، واحتلت أستراليا وأبادت شعوبها. ولكن الفتح الإسلامي للأندلس كان فتحا إسلاميا بمعنى أن: العرب الأوائل أتوا بالدين الإسلامي وقدموه للشعب الأندلسي الذي قبله وتعرّب مع مر الأيام.
فالأندلسيون هم – في الحقيقة – الشعب الأصيل في الجزيرة الإيبيرية، وهو الذي اندمج مع المسلمين الآخرين الذين قدموا لها من عرب وبربر، وتبنى الحضارة الإسلامية، وأصبحت اللغة العربية لغته، وهو الذي أعلى الحضارة الإنسانية إلى المستويات التي نعرفها.
فإذن؛ لم يكن الوجود الإسلامي في شبه الجزيرة الإيبيرية غزوا، ولكن كان تحولا حضاريا لأمة قبلت الإسلام كمحرر من الاضطهادات القائمة من طرف القوط، والحكومات التي غزتها من الشمال في تلك الأحيان، وهذا ليس كلامي فقط؛ بل حتى الكُتاب الإسبان المعاصرون أخذوا يرون الوجود الإسلامي في الأندلس بنظرة جديدة.
وأنبه بهذه المناسبة إلى كتاب صدر حديثا باللغة الإسبانية، طبع تحت عنوان: "الثورة الإسلامية في الغرب"/ "la revolución Islámica en Occidente" لإﮔناسيو أولاﮔوايIgnacio Olague، الذي يبين هذا الموضوع.
وبهذا؛ فالحرب لإخراج الإسلام من الأندلس – التي تسمى إسبانيا اليوم – لم تكن حرب استرجاع، ولكن كانت حربا استعمارية صليبية هي نفسها الحرب التي كانت تتجه نحو المشرق العربي والتي كانت تتجه نحو فلسطين بالذات. بهذا نرى هذا الارتباط - حتى في البداية - بين فلسطين والأندلس. وعندما كان الصليبيون يحاولون السيطرة على القدس – وقد نجحوا لحد ما لمدة قرن كامل – كانوا في نفس الوقت يحاربون نفس الأمة؛ وهي: الأمة المسلمة في الغرب في أرض الأندلس.
ولقد جاهد الأندلسيون جهادا طويلا مستمرا لمدة ثمانية قرون، وكانوا كلما ضعفت دولهم، وتشتت نسلهم وجدوا في المغاربة - عبر مضيق جبل طارق - المعين والمساند الذي أوقف هجوم الغادرين عليهم.
وهكذا لما انتهت الدولة الأموية في الأندلس وعاصمتها قرطبة، وتحولت الأندلس من دولة واحدة إلى دول طوائف متشتتة، وصل عددها إلى حوالي ثلاثين دولة، طلبوا مساندة المغاربة الذين كان يحكمهم في ذلك الوقت: الدولة المرابطية، فوصلت إلى الأندلس، ووحدت جمعهم، وأوقفت الغزو الصليبي بانتصار كبير.
ثم لما انهارت الدولة المرابطية؛ دخل الموحدون - كذلك - وأنقذوا الموقف، وبعد ذلك لما انهارت معظم القواعد الإسلامية ودخلت قرطبة وإشبيلية ومُرسية وغيرها بيد المستعمر، ولم يبق إلا الركن الجبلي حول مدينة غرناطة؛ كانت الدولة المرينية في المغرب كذلك المساند المتواصل.
وكان آخر عبور للجيوش المغربية للأندلس في القرن الرابع عشر، وانهزمت في معركة: Río Salado، ومنذ ذلك الحين ضعفت الدولة المغربية، ولم يعد بمقدرتها مساندة إخوانها في الأندلس، فلما ضعفت الدولة المغربية؛ أصبحت الأندلس لأول مرة عاجزة عن الدفاع عن نفسها إلا بقواتها الخاصة.
وهكذا؛ لما حدث في أواخر القرن الخامس عشر وتشتتت وحدة الأندلسيين نفسهم، وفي نفس الوقت توحدت الدول النصرانية في شبه الجزيرة الإيبيرية، وقرروا العزم على استئصال آخر دولة إسلامية في الأندلس؛ استغاث الأنلدسيون فلم يجدوا من يغيثهم، وهكذا احتلت غرناطة سنة 1492، وأصبح عدد كبير من المسلمين تحت رحمة الحكم الصليبي في ذلك الوقت من طرف الملكين الكاثوليكيين: فرناندو دي أراغون، وإيزابيلا ملكة قشتالة. Fernando de Aragón y la Reina Isabela
أنا لا أريد أن أعطي تفصيلا أكثر من هذا فيما يخص الدولة الإسلامية في الأندلس، إلى وقت سقوط غرناطة، ففي المراجع العربية الكثير عن هذه الحقبة، ولكن المراجع العربية تقف عند سقوط غرناطة وتتصرف وكأن نهاية الأمة الأندلسية انتهت بسقوط غرناطة، والحقيقة أن مصائب الأمة الأندلسية ابتدأت بسقوط غرناطة.
كيف استطاع الأندلسيون الحفاظ على هويتهم عبر قرون:
عندما سقطت غرناطة؛ تعهد الغزاة القشتاليون والأراغونيون الذين توحدوا في ذلك الوقت على احترام دين المغلوبين وحضارتهم ولغتهم العربية وكتبهم الإسلامية، ومساجدهم، وحتى الاعتراف بالشريعة الإسلامية في معاملاتهم الخاصة.
وكان الأندلسيون وافقوا على الاستسلام بهذه الشروط الطويلة العريضة التي تعهد بها ملك إسبانيا وملكة إسبانيا عليهما إلى الأبد. ولكن ما سيطر الغزاة على أرض غرناطة إلا ونكثوا كل عهودهم واحدة تلو الأخرى، ونحن الآن وصلنا إلى أواخر القرن الخامس عشر إلى بداية القرن السادس عشر؛ ماذا حدث؟.
في الحقيقة؛ كان سكان مملكة غرناطة حوالي مليون نسمة، فبسبب الحروب والتهجير هاجر منها نحو نصف مليون وبقي نصف مليون مسلم تحت حكم القشتاليين، وكان يعيش في الجزيرة الإيبيرية مئات الآلاف من المسلمين المدَجَّنين؛ يعني: المسلمين الذين قبلوا الحكم المسيحي عندما غزا المسيحيون أراضيهم منذ قرون متعددة، لدرجة أن ثلث سكان مملكة بلنسية Valencia – شرق الأندلس، والتي غزاها الإسبان في القرن الثالث عشر – كان ثلثهم من المسلمين المدجنين، وكان عشرون في المائة من سكان مملكة أراغون في أقصا الشمال الشرقي، ما يسمى الآن: سرقوصا (سرقسطة) Zaragoza وبرشلونا،Barcelona على حدود فرنسا، عشرون في المائة منهم في القرن السادس عشر كانوا مسلمين من المدجنين، يعني ذلك: أنها كانت هناك جماعات كبيرة من المسلمين تحت الحكم النصراني لمدة قرنين أو ثلاثة قرون، تعيش دون أن يذهب دينها، ودون أن تضمحل شخصيتها الإسلامية.
نعم؛ مثلا سكان أرغون كانت ضاعت لغتهم العربية، ولم يعودوا يعرفونها، ولكن حافظوا على دينهم ومساجدهم، وقضاتهم، وبهذا أصبح في أوائل القرن السادس عشر ما يعادل تقريبا مليونا ونصفا إلى مليونين من السكان المسلمين تحت الحكم النصراني، أي: ما يعادل - تقريبا - خمسة وعشرين في المائة من مجموع سكان إسبانيا.
وسرعان ما سيطرت إسبانيا على هذه المجموعة الكبيرة من المسلمين، وقررت تنصيرهم بالقوة، وأول عمل عملوه هو: إحراق الكتب الإسلامية جميعها في الساحات العامة، ثم أجبروا المسلمين على تنصير أسمائهم، ثم حاولوا تنصيرهم بالمداهنة والترغيب والترهيب، فتنصر كثير منهم. مثلا: تنصر الأميران نصر وأخوه محمد ابنا السلطان أبي الحسن، وأخوا السلطان محمد أبي عبد الله، وتنصرت عائلة بني غاش، وتنصر سيدي علي النيار حاكم المرية، وتنصرت عائلات كثيرة.
كما هاجر عدد كبير من زعماء الأمة إلى المغرب؛ من بينهم: بنو سراج وغيرهم. ولكن الأكثرية الساحقة من السكان والأهالي رفضوا التنصر، ولم يتمكنوا كذلك من الهجرة.
وحوالي سنة 1500 قررت الكنيسة الكاثوليكية تنصير المسلمين بالقوة، وتعميدهم، وقامت ثورات متعددة أزهقت فيها الأرواح الكثيرة، وأرغموا جميعا على التنصر في البشارات وغيرها، وهكذا مر القرن السادس عشر بأكمله والمسلمون يذوقون الأمرين من محاكم التفتيش التي تكونت لتنصير المسلمين ومراقبتهم حتى لا يقوموا بأي عمل إسلامي في نظرهم.
وهكذا؛ تحولت هذه الجماهير الأندلسية إلى أمة مزدوجة الشخصية، فهي في الظاهر بالقوة أصبحت أمة مسيحية، ولكن أصبحت بأكملها مسلمة سرا، وكونت لنفسها بعد أن منعت من استعمال اللغة العربية لغة خاصة بها، وهي ما يسمى باللغة الأعجمية Aljamiado وهي لغة إسبانية تكتب بالحروف العربية، هذا الكتيب – مثلا – [بين يدي المحاضر كتاب بلغة الألخاميادو] يعطي فكرة عن هذه اللغة يمكن أن تروه، هي إسبانية بالحروف العربية، وتوجد الآلاف من هذه الكتب بهذه اللغة في المكتبات الإسبانية. وبهذه اللغة كتبوا التفسير والسيرة النبوية، وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، والتاريخ الإسلامي، وتعلم أبناؤهم سرا المباديء الإسلامية…وهلم جرا.
لدرجة أنه أعطيت لهم بعض الفتاوى من فقهائهم ومن فقهاء المغرب كذلك يعلمونهم كيفية المحافظة على دينهم سرا، وكيف يصلون سرا، وكيف يصومون سرا…وهلم جرا.
وفي عام 1568 ضاق المسلمون في الأندلس ذرعا من هذه الحالة، وقرروا الثورة، فكانت ثورة البشارات العظمى. البشارات هذه: جبال جنوب غرناطة الشاهقة، ثار المسلمون فيها، ثم انتشرت الثورة إلى جميع مناطق مملكة غرناطة، واستطاعوا تحرير مناطق شاسعة، واستغاثوا للمرة الأخيرة بالمسلمين، بالدولة العثمانية، فاعتذر السلطان آنذاك بأنه سيفتح قبرص، وبعد ذلك سيساعدهم، واستغاثوا بالمغرب، واستغاثوا بمصر، وتونس، ولكن لم يُغاثوا، ولكن بعد ثلاث سنوات انهارت الثورة، وذبح المسلمون، وشرد ما تبقى من أهالي غرناطة في جميع الجزيرة الإيبيرية.
ورغم ذلك؛ لم يتنازل الأندلسيون عن دينهم الإسلامي، ولم يتنازلوا عن محبتهم للرسول صلى الله عليه وسلم وعن معرفتهم بالقرآن الكريم، ولو سمح لنا أن نقرأ - مثلا - قصائدهم ومدائحهم باللغة الإسبانية لرأينا الشعور القوي بينهم وبين الإسلام رغم العذاب والاضطهاد الذين أصاباهم. وعندما أقول: العذاب والاضطهاد؛ أقول لكم: إنه كان يكفي أن يفضح الابن لمحاكم التفتيش أباه ويقول: "إنه علمه سورة الفاتحة" مثلا، يكفي ذلك لكي يُزج بكل العائلة في السجن وتحرق بالنار، تحرق بالنار!. وحُرق بسبب اتهامهم آلاف المسلمين من رجال ونساء وأطفال.
الطرد من الأندلس:
وانتهى القرن السادس عشر ودخل القرن السابع عشر وأخذ المسلمون من جديد في بلنسية وأرغون والأندلس – جنوب الجزيرة الإ
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ