في هذا الحوار يستعرض "عمر أهمو" الباحث في القراءات المعاصرة مدارس تفسير النص القرآني المعاصرة؛ لافتا إلى المواقف المختلفة لهذه المدارس –على تنوعها– إزاء النص القرآني وطرائق التعامل مع لغته الخاصة حقيقة ومجازا.
كما يتحدث "أهمو" عن موقفه من التفسير العلمي للقرآن، ومن التوسل بالمناهج الغربية في فك شفرات النص القرآني، موضحا بالأمثلة بعض النتائج التي آلت إليها هذه القراءات وموقع هذه القراءات من الخبرة العلمية والمعرفية لتراث التفسير الإسلامي بأكمله.
ويلقى "أهمو" الضوء على الدراسات القرآنية وحالها في العالم عامة وفي العالم الإسلامي خاصة، وطبيعة المناهج السائدة في الجامعات المتخصصة، ومدى فاعليتها في إتاحة الفرصة للباحثين للفهم والاقتراب من جوهر المعمار البياني للقرآن الكريم.
وهذه تفاصيل الحوار:
* هل نحن بحاجة فعلية للتفسير والمفسرين في كل عصر؟
** يصرح القرآن الكريم بأنه واضح ميسر للذكر في قوله تعالى "ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مذكر"، وقد حث الله المؤمنين على تدبره والغوص في معانيه " كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبَابِ " وفي قوله "أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا".
أي أن بإمكان كل مسلم أن يتدبر القرآن ويفهمه على قدر مبلغه من الفهم، ومع ذلك فالمستويات العليا من البيان والكشف عن مراد الله تبرر الحاجة إلى تفسير كتاب الله من قبل متخصصين استكملوا الأدوات العلمية المعينة على النظر في كتاب الله.
وكان أول مُبَين للقرآن وميسر له هو النبي صلى الله عليه وسلم حيث أمره الله تعالى بذلك في قوله جل وعلا: "بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ"، وقوله أيضا: "وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ".
فالحاجة إلى التفسير حاجة متجددة على مر الأزمان، لدواع كثيرة أسهب العلماء في تفصيلها منها: نزول القرآن باللغة العربية، ومعلوم أنه ليس كل الناس على درجة كافية من المعرفة بهذه اللغة تمكنهم من فهم وإدراك معاني الآيات على الوجه المطلوب.
وقد تنبه العلماء إلى هذه المسألة منذ القرون الأولى للإسلام حين بدأ "اللحن" يتفشى في أوساط المسلمين بسبب دخول أجناس أخرى غير العرب إلى الإسلام.
كما بدأت معاني كثير من الكلمات تتغير بحكم مبدأ التطور الدلالي للألفاظ، فنشأت حركة نشيطة تهدف إلى جمع اللغة وتوثيق معاني الألفاظ كما كانت زمن النزول، إلى جانب تقعيد اللغة، وظهرت مؤلفات كثيرة لهذه الغاية، بل إن الاهتمام بالشعر الجاهلي وجمعه وتوثيقه كان الغرض الأول منه الاستعانة به على فهم ألفاظ القرآن.
وهذا ما يفسر الجهود التي بذلها الأصمعي، وأبو عمرو بن العلاء، والجاحظ الذين تولوا إلى جانب غيرهم من العلماء مهمة جمع اللغة وتوثيقها سواء كانت شعرا أو نثرا.
ولولا أن الحاجة داعية إلى تفسير القرآن وبيانه لما نشأ هذا التراث الضخم من التفاسير التي تناولت النص القرآني من جميع الجوانب، فوجود هذا العلم وازدهاره دليل على الحاجة إليه.
* هل يحظى النص القرآني –برأيكم- بما يجعله قادرا في هذا العصر على شحن توقعاتنا وإثارة دهشتنا؟
** إن ختم النبوة والرسالات برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، يحتم أن تكون الرسالة الخاتمة قادرة على البقاء وأن تتسم بصلاحية ممتدة في الزمان تستمر إلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها ومن هذه الخاصية يستمد القرآن قدرته على البقاء.
فرسالة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة وهي أيضا رحمة للعالمين "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ" (الإسراء 107)، "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ" (سبأ 28)، وهذه الرحمة والبشارة والنذارة عامة لكل زمان ومكان وليست مخصوصة بزمن دون زمن، أو مكان دون مكان.
ورغم وضوح الآيات الدالة على هذا الأمر فإنه يوجد في عصرنا من يجادل فيه، فيفسر هذه الخاصية تفسيرا يكاد يلغي وجود النص لصالح تأويلات بشرية غير منضبطة بأي ضابط.
أي بالقول بظنية دلالية مطلقة لنصوص الوحي، كالقول بالطبيعة الرمزية للنص، وإنه يحتمل ما لا يتناهى من التأويلات، ومن ذلك ما يسميه شحرور ثبات النص وحركة المحتوى أو التشابه، ومنهم يثبتها لبعض القرآن دون بعض، كما فعل محمود طه الذي فرق بين رسالتين رسالة خالدة نزلت بمكة –الآيات المكية- وأخرى نزلت بالمدينة -الآيات المدنية- غايتها علاج المشاكل التي كانت سائدة وقت نزولها.
واقع الدراسات القرآنية
* كمتخصص في الدراسات القرآنية كيف ترى حال هذه الدراسات في العالم عامة وفي العالم العربي خاصة.. هل ترى أن المناهج السائدة في الجامعات المتخصصة تتيح فهما واقترابا لفهم المعمار البياني للقرآن؟
هناك ثلاثة تيارات تتجاذب الدراسات القرآنية في الجامعات حاليا:
الأول تيار محافظ: يبالغ في تمسكه بتراث التفسير دون قيد أو شرط، وإجلاله على نحو مبالغ فيه إلى درجة يمتنع معها الحديث عن أي إضافة أو تجديد في هذا العلم.
وهذا يظهر في طبيعة البحوث المنجزة في الجامعات إذ يغلب عليها جمع أقوال الأئمة في التفسير أو مناهج التفسير أو جهود المفسرين في هذا العلم.
وكان هذا النوع من الدراسة مطلوبا في فترة ما وقد أدى الإكثار منه إلى مراكمة كثير من البحوث المكررة في الموضوع الواحد، والجمود على هذه الطينة من البحوث حال دون الانتقال إلى مرحلة تالية تتقدم بالدراسات القرآنية إلى الأمام.
والثاني تيار تجديدي: يسعى إلى تجديد علم التفسير في ظل ضوابط التفسير المتعارف عليها بين أهل هذا العلم من منطلق الحاجة إلى التجديد، هذا التيار قدم دراسات قيمة تنحو منحى التجديد وقدم مساهمات علمية لا تخلو من جدة خاصة في مجال التفسير الموضوعي والدراسات المصطلحية والدراسات الإعجازية.
أما الثالث فهو تيار حداثي يسعى إلى تقديم قراءة جديدة مفارقة للقراءات الموروثة -أي القراءات التأسيسية- ومتجاوزا الضوابط المستقرة في علم التفسير، وما تراكم من تراث في هذا العلم، مضمونا ومنهجا.
فمن حيث المضمون: انتهى هذا التيار إلى نتائج لم يكن للمسلمين عهد بها في تعاملهم مع القرآن، وحاولوا إعادة النظر في كثير من القضايا القرآنية المجمع عليها بين المسلمين كقضية جمع القرآن وأسباب النزول وطبيعة النص القرآني.
ومن حيث المنهج: سعوا إلى تفكيك المناهج القائمة والتخلص منها باعتبارها قيودا رسخها المفسرون والفقهاء ليحدوا بها من حرية التعامل مع القرآن.
وهذه التيار في حقيقته إنما هو انعكاس للدراسات الاستشراقية المتعلقة بالقرآن الكريم في الجامعات الغربية.
ورغم القول بوجود هذه التيارات فإن ذلك لا يعني أنها تشكلت نتيجة عمل جماعي منظم؛ بل إن معظم الجهود المبذولة في الدراسات القرآنية هي جهود فردية لم ترق بعد إلى مستوى العمل الجماعي المنظم والاشتغال على مشاريع علمية واضحة تضمن الوصول إلى نتائج معتبرة لتُزيد هذه الدراسات خطوات إلى الأمام.
* توجد في ثقافتنا مناهج عدة لفهم وفك شفرات النص القرآني، منها التفسير الموضوعي والتفسير بالأثر فضلا عن التفسيرات العرفانية الباطنية، أيضا حركة علوم القرآن الخاصة "أسباب النزول" و"الناسخ والمنسوخ" و"المحكم والمتشابه" و"المكي والمدني" كيف يستفاد من تلك المدارس وهل خضعت لأدوات تفكيكية لفهمها؟؟ وفي هذا السياق كيف ترى التفسيرات المعاصرة كمحاولات سيد قطب ومالك بن نبي في كتابه الظاهرة القرآنية؟؟
** من المسلم به أن معظم العلوم الإسلامية نشأت حول النص القرآني لخدمته وتقديم الأدوات المساعدة على قراءته وفهم المراد منه، وعلى رأسها علم التفسير الذي قطع أشواطا وعرف تطورات على مستوى المضمون والمنهج.
وقد تعرض النص القرآني لمحاولات عديدة للقراءة كانت من ورائها دوافع كثيرة؛ ليست بالضرورة هي الكشف عن المعنى المراد من النص، بل كان من ورائها اعتبارات كثيرة على رأسها الاعتبارات المذهبية.
لذلك نشأت تفاسير تدافع عن الفرق الإسلامية المختلفة وتنتصر لمقولاتها بالتماس الشواهد والحجج المؤيدة لها من القرآن بتأويل النصوص القرآنية لحملها على ذلك بدرجات مختلفة.
فنشأت نزعة عقلية في التفسير مثلها المعتزلة، وأخرى إشارية مثلها الصوفية، ونزعة باطنية مثلها الغلاة، زيادة على ما عرف من تقسيم التفسير إلى تفسير بالمأثور وتفسير بالرأي وما رافق ذلك من جدل ونقاش حول أيهما الأقوم والأصوب في تفسير القرآن الكريم وبيان المراد منه.
وهكذا نلاحظ أنه لم تتوقف في عصر من العصور المحاولات المتكررة والمتعاقبة لتقديم قراءات معينة للقرآن الكريم كل حسب منطلقاته ومقاصده.
وفي عصرنا ظهر ما اصطلح على تسميته "القراءة الجديدة للقرآن" والتي يمكن تقسيمها حسب بعض الباحثين إلى قراءة تجديدية وأخرى حداثية.
فالقراءة "التجديدية" -كما يسميها د طه عبد الرحمن- كان الدافع إليها هو الحاجة إلى التجديد في ع
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ