أدباء ومثقفون مغاربة يتساءلون
كيف يمكن صناعة القارئ؟
حسن الأشرف
يعتبر القارئ تلك الحلقة الأخيرة والرئيسة التي تبلغها عملية الإنتاج الأدبي والإبداعي والثقافي بصفة عامة؛ حيث لا معنى لأي نشاط ثقافي إنساني يبغي مشاطرة الآخرين الفائدة والمتعة المعرفية والإبداعية دون وجود قارئ متابع، سواء كان قارئا حريصا على ترقب ما يتم إنتاجه أو قارئا عابرا، وفي الحالتين يعد القارئ الرقم الصعب في معادلة الإنتاج الثقافي التي لا يمكن أن تكون ناجحة وذات إشعاع إلا بضمان وجود قارئ متمكن ومتمرس على فعل القراءة.
وفي المغرب يشتكي الكثير من الكتاب والأدباء والمثقفين من تواضع واقع القراءة بالبلاد، مما يطرح تساؤلات عدة وجدية حول طبيعة العراقيل وماهية العوائق التي تحول دون صناعة قارئ يستطيع أن يكون فاعلا بارزا ومؤثرا في عملية التبادل بينه وبين الكاتب والمنتج الثقافي، وكيفية صناعة قارئ متمرس من هذه الطينة.
500 نسخة
يسرد الشاعر والإعلامي المغربي ياسين عدنان أمثلة لمقاربة وضع القراءة بالمغرب، منها ما حدث للقاص المغربي أحمد بوزفور الذي رفض قبل سنوات جائزة المغرب للكتاب التي حصل عليها عن مجموعته القصصية "ققنس"؛ حيث كان المبرر الأوضح والأقسى الذي ساقه صاحب "النظر في الوجه العزيز" في ختام بيانه حين قال: "أخجل أن أقبض جائزة على كتاب طبعت منه ألف نسخة، لم أوزع منها في أسواق شعب من ثلاثين مليون نسمة إلا خمسمائة نسخة، وهي لا تزال معروضة لم تنفذ بعد، برغم مرور أكثر من عامين".
والمثال الثاني يسرده ياسين عدنان بأن أستاذا سأل طلبته بأقسام البكالوريا بإحدى الثانويات المغربية عن فيلم المخرج السينمائي المغربي محمد عبد الرحمن التازي "جارات أبي موسى"؛ فتباينت آراء التلاميذ حول العمل، فهناك من أعجب به وهناك من استثقله، لكنهم جميعا كانوا قد شاهدوه إما في قاعات السينما أو على شاشة التلفزيون، لكن حينما سألهم عن الرواية التي اقتبس منها التازي عمله السينمائي لم يرفع أحد إصبعه؛ فلا أحد منهم قرأ الرواية، ولا أحد يعرف أن "جارات أبي موسى" هي أولى روايات أحمد التوفيق المعروف لدى الطلبة باعتباره وزير الأوقاف والشئون الإسلامية في الحكومة الحالية، لكنه مجهول تماما كأديب وروائي.
ومثال آخر يقدمه عدنان؛ فقد بادرت دار نشر مغربية نشيطة -بعد أن حاصرتها شكاوى الأدباء واتهاماتهم لها بالجشع والنصب والاحتيال- إلى فتح سجلاتها الخاصة في وجه هؤلاء؛ فكانت النتيجة صاعقة؛ كاتب معروف وفرت له الدار توزيعا جيدا اكتشف أن تحفته الأدبية التي كان ينتظر منها أن تهز الساحة الثقافية المغربية لم يبع منها سوى سبع نسخ فقط على مدار ستة أشهر كاملة، وكانت وثائق شركة التوزيع واضحة فاضحة، أما ذهول الكاتب وصدمته فكانت تفوق كل الأوصاف والتخيلات التي ساقها في عمله الأدبي الرفيع.
المدرسة والمنزل والشارع
ومن جانبه، يحدد القاص والإعلامي محمد أشويكة في حوار مع "إسلام أون لاين.نت" مجموعة
من العوائق التي تحول دون انغراس عادة القراءة كسلوك يومي في الإنسان المغربي:
· المدرسة باعتبارها مشتلا مفترضا لتحبيب القراءة وزرعها في روح النشء؛ فقد أضحت تثقل كاهل التلاميذ بالمقررات والمواد التي يطغى عليها الطابع التقني على مستوى التلقي، ويغيب التذوق باعتباره أهم خطوة في القراءة، ويحضر هاجس الإنجاز؛ فيتحول التلميذ إلى مجرد "كائن حاسب" في المواد العلمية والتقنية وما شابهها، ومجرد "كائن استظهاري" في المواد الأدبية وما شاكلها، يتقن خبايا اللعبة ويتحايل عليها دون أن يتم تشغيل قدراته الذكائية، فالأستاذ -معلم القراءة ومحببها- قد تحول بدوره إلى أرنب سباق يسارع الزمن ضد طول المقرر، ويطبق المذكرات "القانونية" الضاغطة حرفيا من أجل استكمال مواد المقرر ولو على حساب القراءة.
لهذا يطرح أشويكة التساؤل الكبير: في ظل مدرسة كهذه، كيف يمكن إذن أن نصنع القارئ، وننمي قدراته على مستوى النقد والتحليل والنقاش والتطوير والابتكار؟
· المنزل الذي تحول بدوره، يقول الإعلامي والناقد المغربي، إلى معرض مصغر لآخر الابتكارات التكنولوجية في المجال السمعي والبصري والمعلوماتي، والتي يتم التعامل معها بطريقة استهلاكية فجة تجعل الآباء والأطفال مجرد "كائنات تتقن تقنيات الاستعمال والأنظمة".
· الشارع الذي لا يتوفر على الحد الأدنى من وسائل تعويد الناس على القراءة لأن الكتاب كمادة استهلاكية لا يدر الأرباح على المستثمرين فيه، حسب تصريحات الكثير من المتاجرين به وفيه، كما أن الفئة التي تستهلك الكتاب، وهي الفئة المتوسطة طبعا، والتي يشكل رجال التعليم عمودها الفقري، أثقلتها استثمارات اقتناء الكتب المتعلقة بمواكبة التخصصات.
ويضيف محمد أشويكة أن "الشارع المغربي لا يتوفر على المكتبات العمومية والتجارية التي تتيح للقارئ الاستئناس بالكتاب، فقد تجد فيه كل ما يؤكل ويشرب وينكح.. ولا تعثر على فضاء يحقق الحد الأدنى من المتعة القرائية، أو يواكب الجديد على مستوى المقتنيات؛ فالملاذ الوحيد للقارئ المكتوي بعشق القراءة هو المراكز الأجنبية التي عوضت الدولة للأسف، بالرغم من التهديد الذي تشكله على الثقافة الوطنية".
وضع كارثي
ويركز الباحث المغربي الدكتور الحبيب ناصري في تحديده للعوامل المفضية إلى "كارثية" وضعية القراءة بالمغرب على المنظومة التربوية بالمغرب العاجزة عن المساهمة في تحبيب فعل القراءة؛ لأن طبيعة الكم والامتحان من أجل الامتحان، وطبيعة المنهاج والنظرة التي رسختها المدرسة المغربية لدى المتلقي أي التلميذ وأسرته؛ كلها عوامل ساهمت في العجز الكبير من أجل خلق قارئ عاشق لفعل القراءة، مطور لإمكاناته التربوية والذوقية والجمالية والثقافية والذهنية.
ويردف ناصري عوامل أخرى يجسدها في: "ضعف الاستثمارات الهزيلة في المجال الثقافي بشكل عام، وضعف ميزانية الثقافة، وعدم استثمار الطبقة الاجتماعية الغنية في مجال الكتاب، بل هي طبقة لا تؤمن في العديد من الجوانب بأهمية الكتاب، ثم ضعف الإيمان بأهمية الثقافة في البرامج السياسية للأحزاب التي لا تدرج فعل الثقافة في أولوياتها المنحصرة في العديد من المحطات ضمن الصراع من أجل الالتصاق بكراسي البرلمان والمجالس البلدية."
وخلص الباحث المغربي إلى أنه نتيجة لكل هذه العوامل يعيش العديد من الكتاب المغاربة اليوم أزمة نشر إنتاجياتهم في ظل غياب القارئ المهووس بفعل القراءة؛ مما جعل البعض منهم ينشر إنتاجياته الفكرية على نفقته الخاصة، قائلا: "وهو ما قمت به شخصيا؛ إذ اقترضت من مؤسسة بنكية لنشر كتابي "جماليات الحكي"، وهو ما سأقوم به قريبا من أجل نشر كتاب آخر في موضوع السينما" "."
عوامل صناعة القارئ
مقابل كل هذه العوامل المختلفة التي تصب في واد واحد يفضي إلى ضعف القراءة في المغرب وعدم تأسيس قوي ومتين لقارئ ذي بال وفطنة، متمرس على فعل القراءة، يتأثر بما يقرؤه، ويؤثر فيما يكتبه المنتج الثقافي شاعرا كان أو قاصا، أو مفكرا، أو كاتبا صحفيا، مقابل هذه العوامل يجدر بنا السؤال عن كيفية صناعة قارئ بهذه المواصفات المطلوبة في ظل اختلال أهم بؤر تكوين القارئ؟.
الجواب نجده عند القاص والإعلامي محمد أشويكة الذي يرى أن صناعة القارئ تتم من خلال دعم الدولة واستثمارها في مشاريع القراءة عن طريق تعميم الخزانات العمومية، وإرغام كافة مصالح الوزارات المغربية والجماعات المحلية على إنشاء وتحديث مكتباتها، وتوظيف أطر متخصصة في صناعة وخلق الحدث الثقافي وفق خصوصية كل منطقة وكل وزارة.
ويؤكد أشويكة أنه من واجبات وزارة الثقافة المغربية أن تساهم في نشر الكتاب المغربي، خصوصا الإبداعي منه، ودعم الكاتب عبر تقديم مشروع بحثي أو إبداعي، وتسهيل التفرغ المؤقت لإنجازه، وتخصيص منحة إبداعية، وإحداث الإقامة الإبداعية، ومنحة ما بعد النشر (الترويج)، والدعم على مستوى التوزيع، ودعم القراءة الإلكترونية والمواقع الثقافية؛ ذلك لأن دعم الناشر دون التفكير في خلق سياسة حقيقية للقراءة خطوة لا تخدم مفهوم التنمية الشاملة، فلقد حولت سياسة دعم الناشر بعض الناشرين إلى قناصي منح دون أي مراقبة من الجهة الداعمة، لا أحد يراقب عدد النسخ، وحقوق المؤلف، وطرق التوزيع؛ بل أصبحت الكتب المدعومة مبحوثا عنها (Wanted) وكأنها ممنوعة من التداول.
ويخلص أشويكة إلى أن صناعة القارئ تعتبر من أولويات ومهام المؤسسات العمومية وعلى رأسها الوزارات المغربية ولاسيما وزارة الثقافة، فنحن نفتقد للأسف في مجال الثقافة عموما، والمكتوب منها خصوصا، إلى سياسة واضحة تبرز مجهودات الأفراد التي تجاوزت الوزارات، مضيفا بالقول: "في الوقت الذي تدعم فيه الدولة المهرجانات -التي لست ضد الجيد منها طبعا- يجب أن تفرض ترويجا موازيا للمكتوب على هامشها، وخلق ورشات التكوين المتخصص عن طريق القراءة العامة والمتخصصة، ومعارض الكتاب الموازية" "."
إصلاح المنظومة التربوية
في حين يعتبر الدكتور الحبيب ناصري أنه لا يمكن تحقيق هذا النوع من القراء المتمرسين والمؤثرين إلا بإصلاح حقيقي للمنظومة التربوية بطريقة فعالة ومنفتحة على جميع من يعيش قلق سؤال التربية والتعليم والثقافة بالمغرب، مشددا على أن الإصلاح لن يبنى إلا بأدوات الإصلاح بعيدا عن المقاربات الحزبوية الضيقة في الإصلاح؛ فممارسة إصلاح المنظومة التربوية يجب أن يتم بأدوات التربية والعلم في أفق أن نجعل من المنظومة التربوية بالمغرب منظومة متطورة خالقة لمغربي عاشق لتربته الوطنية ولهويته المؤمنة بلغة العلم والانفتاح. ويؤكد الباحث المغربي أن بناء منظومة تربوية منفعلة بقضايا العصر ومتفاعلة وفاعلة فيها مسلك مهم في بناء قارئ مغربي متميز ومؤثر في مجتمعه، مستدلا بأسئلة من قبيل: "قل لي كم من كتاب ينشر في بلدك؟ وقل لي كم من كتاب يستهلك في بلدك؟ وقل لي من يكتب؟ وكيف يكتب؟ ولمن يكتب؟ ومن يقرأ؟ وكم عدد من يقرأ؟ أقول لك من أنت ومن بلدك".
"فهذه -يقول ناصري- هي الأسئلة الحقيقية التي علينا أن نطرحها إن نحن أردنا البحث لنا عن موقع تحت الشمس".
صحفي مغربي مهتم بالشأن الثقافي.
كتبها محمد البويسفي في 10:25 مساءً ::
اخي الفاضل
هذه المشكلة مشكلة العصر
لي عودة اخرى للمشاركة
هذه فقط لتسجيل زيارة
وتقدير لهذا الفكر المبدع
تحيتي وتقديري
موضوع مثير جدا ...
لو زرت ليبيا لوجدت الامر مأساوي جدا من هذه الناحية ...
الشباب ينفر جدا من القراءة لدرجة مخيفة ..
ونتسأءل ..هل أصبحنا امة لا تقرأ ..وان قرأت لاتفهم ..
كل التحية لك اخي محمد وشكرا لسؤالك وتواصلك الدائم بارك الله فيك ..
مساء الخير
مــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــن
هـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــم
الفرســــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــان ؟
تعــــــــــــــــــــــــــــــــــــــرف عليهـــــــــــــــــــــــــــــــــــم
القارئ يصنعه مبدع مثلك اخي محمد اليوسفي
تقبل مروري
اختك سعاد ميلي
شاعرة الوجدان
الرباط / سلا
المغرب
اخى الفاضل /محمد
القراءة ذاتها إبداع ولكنه من نوع خاص .لكى تكون قارىء لابد وان يكون بداخلك إحساس من الأنطلاق ورغبة فى الأبحار. ومن اين يتأتى لنا هذا فى هذه الآونة فى ظل الضغوط والمصاعب التى يعانى منها الناس . هل السباح الماهر يمكن ان يسبح فى بحر الجليد؟؟؟؟؟؟؟
كذلك القارىء

الاسم: محمد البويسفي
