النص القرآني يواجه التهميش بتأويلات البشر

سبتمبر 11th, 2009 كتبها محمد البويسفي نشر في , الدراسات القرآنية

في هذا الحوار يستعرض "عمر أهمو" الباحث في القراءات المعاصرة مدارس تفسير النص القرآني المعاصرة؛ لافتا إلى المواقف المختلفة لهذه المدارس –على تنوعها– إزاء النص القرآني وطرائق التعامل مع لغته الخاصة حقيقة ومجازا.

كما يتحدث "أهمو" عن موقفه من التفسير العلمي للقرآن، ومن التوسل بالمناهج الغربية في فك شفرات النص القرآني، موضحا بالأمثلة بعض النتائج التي آلت إليها هذه القراءات وموقع هذه القراءات من الخبرة العلمية والمعرفية لتراث التفسير الإسلامي بأكمله.

ويلقى "أهمو" الضوء على الدراسات القرآنية وحالها في العالم عامة وفي العالم الإسلامي خاصة، وطبيعة المناهج السائدة في الجامعات المتخصصة، ومدى فاعليتها في إتاحة الفرصة للباحثين للفهم والاقتراب من جوهر المعمار البياني للقرآن الكريم.

وهذه تفاصيل الحوار:

* هل نحن بحاجة فعلية للتفسير والمفسرين في كل عصر؟

** يصرح القرآن الكريم بأنه واضح ميسر للذكر في قوله تعالى "ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مذكر"، وقد حث الله المؤمنين على تدبره والغوص في معانيه " كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبَابِ " وفي قوله "أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا".

أي أن بإمكان كل مسلم أن يتدبر القرآن ويفهمه على قدر مبلغه من الفهم، ومع ذلك فالمستويات العليا من البيان والكشف عن مراد الله تبرر الحاجة إلى تفسير كتاب الله من قبل متخصصين استكملوا الأدوات العلمية المعينة على النظر في كتاب الله.

وكان أول مُبَين للقرآن وميسر له هو النبي صلى الله عليه وسلم حيث أمره الله تعالى بذلك في قوله جل وعلا: "بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ"، وقوله أيضا: "وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ".

فالحاجة إلى التفسير حاجة متجددة على مر الأزمان، لدواع كثيرة أسهب العلماء في تفصيلها منها: نزول القرآن باللغة العربية، ومعلوم أنه ليس كل الناس على درجة كافية من المعرفة بهذه اللغة تمكنهم من فهم وإدراك معاني الآيات على الوجه المطلوب.

وقد تنبه العلماء إلى هذه المسألة منذ القرون الأولى للإسلام حين بدأ "اللحن" يتفشى في أوساط المسلمين بسبب دخول أجناس أخرى غير العرب إلى الإسلام.

كما بدأت معاني كثير من الكلمات تتغير بحكم مبدأ التطور الدلالي للألفاظ، فنشأت حركة نشيطة تهدف إلى جمع اللغة وتوثيق معاني الألفاظ كما كانت زمن النزول، إلى جانب تقعيد اللغة، وظهرت مؤلفات كثيرة لهذه الغاية، بل إن الاهتمام بالشعر الجاهلي وجمعه وتوثيقه كان الغرض الأول منه الاستعانة به على فهم ألفاظ القرآن.

وهذا ما يفسر الجهود التي بذلها الأصمعي، وأبو عمرو بن العلاء، والجاحظ الذين تولوا إلى جانب غيرهم من العلماء مهمة جمع اللغة وتوثيقها سواء كانت شعرا أو نثرا.

ولولا أن الحاجة داعية إلى تفسير القرآن وبيانه لما نشأ هذا التراث الضخم من التفاسير التي تناولت النص القرآني من جميع الجوانب، فوجود هذا العلم وازدهاره دليل على الحاجة إليه.

* هل يحظى النص القرآني –برأيكم- بما يجعله قادرا في هذا العصر على شحن توقعاتنا وإثارة دهشتنا؟

** إن ختم النبوة والرسالات برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، يحتم أن تكون الرسالة الخاتمة قادرة على البقاء وأن تتسم بصلاحية ممتدة في الزمان تستمر إلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها ومن هذه الخاصية يستمد القرآن قدرته على البقاء.

فرسالة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة وهي أيضا رحمة للعالمين "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ" (الإسراء 107)، "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ" (سبأ 28)، وهذه الرحمة والبشارة والنذارة عامة لكل زمان ومكان وليست مخصوصة بزمن دون زمن، أو مكان دون مكان.

ورغم وضوح الآيات الدالة على هذا الأمر فإنه يوجد في عصرنا من يجادل فيه، فيفسر هذه الخاصية تفسيرا يكاد يلغي وجود النص لصالح تأويلات بشرية غير منضبطة بأي ضابط.

أي بالقول بظنية دلالية مطلقة لنصوص الوحي، كالقول بالطبيعة الرمزية للنص، وإنه يحتمل ما لا يتناهى من التأويلات، ومن ذلك ما يسميه شحرور ثبات النص وحركة المحتوى أو التشابه، ومنهم يثبتها لبعض القرآن دون بعض، كما فعل محمود طه الذي فرق بين رسالتين رسالة خالدة نزلت بمكة –الآيات المكية- وأخرى نزلت بالمدينة -الآيات المدنية- غايتها علاج المشاكل التي كانت سائدة وقت نزولها.

واقع الدراسات القرآنية

* كمتخصص في الدراسات القرآنية كيف ترى حال هذه الدراسات في العالم عامة وفي العالم العربي خاصة.. هل ترى أن المناهج السائدة في الجامعات المتخصصة تتيح فهما واقترابا لفهم المعمار البياني للقرآن؟

هناك ثلاثة تيارات تتجاذب الدراسات القرآنية في الجامعات حاليا:

الأول تيار محافظ: يبالغ في تمسكه بتراث التفسير دون قيد أو شرط، وإجلاله على نحو مبالغ فيه إلى درجة يمتنع معها الحديث عن أي إضافة أو تجديد في هذا العلم.

وهذا يظهر في طبيعة البحوث المنجزة في الجامعات إذ يغلب عليها جمع أقوال الأئمة في التفسير أو مناهج التفسير أو جهود المفسرين في هذا العلم.

وكان هذا النوع من الدراسة مطلوبا في فترة ما وقد أدى الإكثار منه إلى مراكمة كثير من البحوث المكررة في الموضوع الواحد، والجمود على هذه الطينة من البحوث حال دون الانتقال إلى مرحلة تالية تتقدم بالدراسات القرآنية إلى الأمام.

والثاني تيار تجديدي: يسعى إلى تجديد علم التفسير في ظل ضوابط التفسير المتعارف عليها بين أهل هذا العلم من منطلق الحاجة إلى التجديد، هذا التيار قدم دراسات قيمة تنحو منحى التجديد وقدم مساهمات علمية لا تخلو من جدة خاصة في مجال التفسير الموضوعي والدراسات المصطلحية والدراسات الإعجازية.

أما الثالث فهو تيار حداثي يسعى إلى تقديم قراءة جديدة مفارقة للقراءات الموروثة -أي القراءات التأسيسية- ومتجاوزا الضوابط المستقرة في علم التفسير، وما تراكم من تراث في هذا العلم، مضمونا ومنهجا.

فمن حيث المضمون: انتهى هذا التيار إلى نتائج لم يكن للمسلمين عهد بها في تعاملهم مع القرآن، وحاولوا إعادة النظر في كثير من القضايا القرآنية المجمع عليها بين المسلمين كقضية جمع القرآن وأسباب النزول وطبيعة النص القرآني.

ومن حيث المنهج: سعوا إلى تفكيك المناهج القائمة والتخلص منها باعتبارها قيودا رسخها المفسرون والفقهاء ليحدوا بها من حرية التعامل مع القرآن.

وهذه التيار في حقيقته إنما هو انعكاس للدراسات الاستشراقية المتعلقة بالقرآن الكريم في الجامعات الغربية.

ورغم القول بوجود هذه التيارات فإن ذلك لا يعني أنها تشكلت نتيجة عمل جماعي منظم؛ بل إن معظم الجهود المبذولة في الدراسات القرآنية هي جهود فردية لم ترق بعد إلى مستوى العمل الجماعي المنظم والاشتغال على مشاريع علمية واضحة تضمن الوصول إلى نتائج معتبرة لتُزيد هذه الدراسات خطوات إلى الأمام.

* توجد في ثقافتنا مناهج عدة لفهم وفك شفرات النص القرآني، منها التفسير الموضوعي والتفسير بالأثر فضلا عن التفسيرات العرفانية الباطنية، أيضا حركة علوم القرآن الخاصة "أسباب النزول" و"الناسخ والمنسوخ" و"المحكم والمتشابه" و"المكي والمدني" كيف يستفاد من تلك المدارس وهل خضعت لأدوات تفكيكية لفهمها؟؟ وفي هذا السياق كيف ترى التفسيرات المعاصرة كمحاولات سيد قطب ومالك بن نبي في كتابه الظاهرة القرآنية؟؟

** من المسلم به أن معظم العلوم الإسلامية نشأت حول النص القرآني لخدمته وتقديم الأدوات المساعدة على قراءته وفهم المراد منه، وعلى رأسها علم التفسير الذي قطع أشواطا وعرف تطورات على مستوى المضمون والمنهج.

وقد تعرض النص القرآني لمحاولات عديدة للقراءة كانت من ورائها دوافع كثيرة؛ ليست بالضرورة هي الكشف عن المعنى المراد من النص، بل كان من ورائها اعتبارات كثيرة على رأسها الاعتبارات المذهبية.

لذلك نشأت تفاسير تدافع عن الفرق الإسلامية المختلفة وتنتصر لمقولاتها بالتماس الشواهد والحجج المؤيدة لها من القرآن بتأويل النصوص القرآنية لحملها على ذلك بدرجات مختلفة.

فنشأت نزعة عقلية في التفسير مثلها المعتزلة، وأخرى إشارية مثلها الصوفية، ونزعة باطنية مثلها الغلاة، زيادة على ما عرف من تقسيم التفسير إلى تفسير بالمأثور وتفسير بالرأي وما رافق ذلك من جدل ونقاش حول أيهما الأقوم والأصوب في تفسير القرآن الكريم وبيان المراد منه.

وهكذا نلاحظ أنه لم تتوقف في عصر من العصور المحاولات المتكررة والمتعاقبة لتقديم قراءات معينة للقرآن الكريم كل حسب منطلقاته ومقاصده.

وفي عصرنا ظهر ما اصطلح على تسميته "القراءة الجديدة للقرآن" والتي يمكن تقسيمها حسب بعض الباحثين إلى قراءة تجديدية وأخرى حداثية.

فالقراءة "التجديدية" -كما يسميها د طه عبد الرحمن- كان الدافع إليها هو الحاجة إلى التجديد في ع

المزيد


نظرات في مفهوم الحوار في القرآن الكريم

يونيو 27th, 2009 كتبها محمد البويسفي نشر في , الدراسات القرآنية

نظرات في مفهوم الحوار في القرآن الكريم
د. الشاهد البوشيخي

بسم الله الرحمان الرحيم و صلى الله و سلم على سيدنا محمد و على آله و صحبه ، و لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم ، ربنا آتنا من لدنك رحمة و هيئ لنا من أمرنا رشدا ، اللهم انفعنا بما علمتنا و علمنا ما ينفعنا و زدنا علما ، اللهم افتح لنا أبواب الرحمة
و انطقنا بالحكمة و اجعلنا من الراشدين فضلا منك و نعمة .
أيها الأحبة مدار هذه الكلمة المتواضعة المعنونة بنظرات في مفهوم الحوار في القرآن الكريم ، مدارها على النقط التالية :
مقدمة في الخصوصية الدلالية للألفاظ في القرآن الكريم .
النظرة الأولى: في ورود اللفظ في القرآن الكريم .
النظرة الثانية : في معنى الحوار في المعاجم العربية .
النظرة الثالثة: في مكونات مفهوم الحوار في القرآن الكريم
النظرة الرابعة : في علاقة الحوار بمرادفاته في القرآن الكريم
النظرة الخامسة : في كون الحوار فضاء أفسح للتواصل
ثم خاتمة في ضرورة التعاون العلمي و المالي على مشروع المعجم المفهومي للقرآن الكريم .
أيها الأحبة : أبدأ بالتنبيه على أن هذه الكلمة هي مجرد تأملات أولية في الآيات التي تضمنت لفظ الحوار كما وردت في القرآن الكريم ، ثم إنها لم تكد تتجاوز ما يفهم من هذا اللفظ ، حيث ورد في كتاب الله عز وجل،

مقدمة في الخصوصية الدلالية للألفاظ في القرآن الكريم : هذا الكتاب كما تعلمون أنزل بلسان عربي مبين ، الألفاظ التي استعملها و الجمل و التراكيب والأساليب و كل ذلك من البيان العربي ، لكن هذا الكتاب انطلق من الألفاظ بدلالتها المعروفة المألوفة لكنه منذ بدأ نزوله حتى انتهاء نزوله ضمن الألفاظ مفاهيم و وضعها في سياقات بعينها جعلها في النهاية تنتقل دلاليا من المعاني التي كانت لها في اللسان العربي إلى آفاق جديدة إلى مفاهيم جديدة تنسجم مع هذه الرؤية الشمولية الربانية التي جاءتنا من الله جل جلاله و التي يجب أن نستدرجها بين جنوبنا و نصدر عنها في كل ما نأتي و ما نذر ، لذلك فالألفاظ و إن كانت عربية و توجد في المعاجم العربية و في الكتب العربية إلا أن درسها الحقيقي ينبغي أن يتركز بعد التعريج على كل ذلك و استيعاب كل ذلك ، ينبغي أن يتركز على استعمالاتها في القرآن الكريم لتستخلص الخصوصيات الدلالية لهذه الألفاظ ليتمهد الطريق إلى فقه عالم القرآن بصفة عامة .

النقطة الأولى : في ورود اللفظ في القرآن الكريم
مادة هذا اللفظ وردت أربع مرات مما له صلة بموضوعنا، ورد الفعل المضارع الثلاثي ،في قوله جل جلاله بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ( يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه ، فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا و ينقلب إلى أهله مسرورا ، و أما من أوتي كتابه وراء ظهره فسوف يدعو ثبورا ، و يصلى سعيرا ، إنه كان في أهله مسرورا ، إنه ظن أن لن يحور ، بلى إن ربه كان به بصيرا) ظن أنه لن يحور: ظن أن لن يرجع .
في سورة الكهف في قصة صاحب الجنتين : ( و اضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب و حففناهما بنخل و جعلنا بينهما زرعا كلتا الجنتين آتت أكلها و لم تظلم منه شيئا و فجرنا خلالهما نهرا و كان له تمر فقال لصاحبه
و هو يحاوره أنا أكثر منك مالا و أعز نفرا و دخل جنته و هو ظالم لنفسه ……)
إلى أن يقول العبد المؤمن الصالح في جواب هذا المغتر: ( قال له صاحبه و هو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم سواك رجلا لكنا هو الله ربي و لا أشرك بربي أحدا و لولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله إن ترن أقل منك مالا و ولدا فعسى ربي أن يوتيني خيرا من جنتك و يرسل عليها حسبانا من السماء فتصبح صعيدا زلقا أو يصبح ماؤها غورا فلن تستطيع له طلبا ) و كانت هذه النتيجة ( و أحيط بثمره )
بعد هذا وردت أيضا في سورة المجادلة في الآية الأولى : ( قد سمع الله قول التي تجا

المزيد


الواجب المعرفي تجاه القرآن

أكتوبر 29th, 2008 كتبها محمد البويسفي نشر في , الدراسات القرآنية

satellعيد الرحمن حليلي

 كاتب سوري وعضو الهيئة التدريسية في كلية الشريعة جامعة دمشق

لقد أنزل الله القرآن الكريم كتاب هداية للناس، فقال تعالى: {إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء : 9]، وضمنه رسالة الله الخاتمة إلى العالمين، {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ} [الأنعام : 19]، لذلك فهو كتاب مصدق لما بين يديه ومهيمن على غيره من الكتب، {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً} [المائدة : 48]، وجعله الله كتابا مبينا وعربيا {الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [يوسف : 1 - 2].

وإذا كان القرآن يحمل رسالة من الله، وكان المرسل إليهم هم جميع البشر من العالمين، في كل زمان ومكان، فإن سبل وآفاق فهم هذه الرسالة لا تنقضي، والمعني بالتعرف عليها كل إنسان، فالرسالة تقتضي مضمونا تحتويه، ومخاطبا يحلل هذا المضمون ويترجمه حسبما فهمه.

كلمات تتحدى المكنون

 إذن فكل إنسان معني بالقرآن؛ لأنه يخاطبه ويتحداه، ويدخل إلى أعماقه، ويحلل نفسيته ليستفز مكنوناتها، ويجعل القارئ في صراع داخلي يدعوه إلى اتخاذ موقف جدي في حياته تجاه المبادئ التي يعرضها القرآن، وغالبا ما تنتهي رحلة الإنسان مع هذا الخطاب القرآني إلى الاستسلام والإقرار بالعجز والضعف، سواء أعلن القارئ استسلامه فصار مسلما، أم كتم ذلك في أعماقه.

هذا الأثر القرآني في نفس القارئ هو من طبيعة القرآن وعظمته وقوة تجليه التي تؤثر حتى في الجماد، {لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الحشر : 21]، لكن هذا القلق الذي يعانيه غير المؤمن مع القرآن يتحول لدى المسلم إلى طمأنينة وخشوع وانسجام مع كلام الله وذكره، {الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد : 28].

هذه الصلة النفسية والمباشرة بين الإنسان والقرآن، والتي يستجلي القارئ من خلالها الرسالة الإلهية الموجهة إليه هي الواجب الأبسط والذي يقدر عليه كل قارئ، ويجب على كل فرد مسلم القيام به بشكل دوري، لا سيما من خلال تلاوة القرآن في الصلوات، والتعبد بتلاوة القرآن وحفظه، هذا وما دامت رسالة الله في القرآن مكتوبة ومقروءة فأول واجب نحو القرآن هو تعلم القراءة؛ لتلقي هذه الرسالة وفهم محتواها والعمل بمضمونها، لذلك كان الخطاب الأول في الوحي هو لفظ (اقرأ)، وسمي القرآن كتابا ليتلازم التدوين والمشافهة في التعامل معه والحفظ له، هذا هو الواجب المعرفي العيني على كل مسلم؛ إذ هو الحد الأدنى لممارسة العبادة الواجبة والتي لا تنفصل عن التعامل المعرفي مع القرآن، إلا أن الواجب العبادي الأهم هو الواجب المعرفي الكفائي الذي يجب على الأمة القيام به؛ ذلك أن رسالة القرآن ليست للفرد فقط إنما هي عالمية، وعالميتها تعني أنها ترتبط بكل ما للعالمية من معان وأبعاد وتجليات، فهي رسالة ذات مضمون إنساني وحضاري ينظم صلة الإنسان بالله عز وجل، ويربطه بالعالم المحيط به، ويقدم له رؤية للعالم تعكس التصور الإسلامي للحياة، وهذه التجليات القرآنية لا تتأتى لأي قارئ ولا بأي أدوات، وهي ليست من البساطة بحيث يمكن ارتجال معانيها بمطالعة معجمية، أو مراجعة تفسير معين، إنها أعمق من ذلك، وقد كان للمسلمين جهود لم تنقطع ولم تنته في سبر هذا البعد في كتاب الله العزيز.

منهج التعامل مع النص

ولاستجلاء أنماط الدرس القرآني ينبغي أن ننطلق من القرآن نفسه الذي يكشف تدبره عن مستويات منهجية تضبط مناهج التعامل معه، فثمة معطيات قرآنية ترسم إطارا لمنهج التعامل مع النص نفسه، بدءا من أوصاف التعامل مع النص[1 ]، حيث كانت أول كلمة أنزلت من القرآن ذات بعد منهجي في التعامل مع النص وهي (اقرأ)، ثم تتالت كلمات أخرى كالتلاوة، والترتيل، والتدبر.

فالأمر الأول بالقراءة هو أمر بتفعيل ملكة الإنسان في معرفة الأشياء وفهم سننها وقوانينها وروابطها، وأن يلحظ عند تفعيل هذه الملكة صلتها بالله عز وجل، فالقراءة تفكر في عالم الكون المخلوق، فهي قراءة للكون اقترنت باستحضار اسم الله معها؛ نظرا لاحتمال الغفلة عن الله في قراءة هذا الكون، تناظرها قراءة ثانية لما جمعه الله وعلمه بالقلم، وهي قراءة الوحي المنزل، الذي تكرم الله بإنزاله وجمعه وتعليمه؛ فقد أمر الإنسان بقراءته، وزيد في تحصين هذه القراءة أن يستعاذ بالله من الشيطان عندها {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [النحل : 98]، والقراءة هنا تتجاوز التلفظ والأداء لترتقي إلى الفهم والجمع الذهني للمعاني كما يجمع اللسان الألفاظ، لذلك نجد القرآن يفرق بين مرتبتين عند تلقي قراءة الغير للقرآن {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأعراف : 204]، الأولى: هي الاستماع الصوتي الذي يوصل الكلمات إلى الأذن، والثانية: هي الإنصات الذي يمكن المتلقي من تدبر المعنى والوعي به، إن هذا المعنى للقراءة (جمع المتفرقات مع الوعي بها)؛ إذ تتجه إلى الكون وإلى القرآن، كما هو الأمر في سورة العلق، لا يلغي استعمال القراءة بمستوى الأداء، فتكون فهما لمعانيه.

تجديد معنى التلاوة

 

 د.عبد الرحمن حللي

أما التلاوة فالميل العام لدى اللغويين والمفسرين متجه إلى المرادفة بين التلاوة والقراءة، وقد لاحظ بعضهم فرقا بسيطا في الاستعمال؛ وهو أن التلاوة لا تكون إلا لكلمتين فصاعدا، لكن يمكن لحظ ما هو أهم من ذلك في معنى التلاوة، فالقراءة كأداء لفظي للآيات والنص القرآني هي تطبيق لأصل المعنى اللغوي للتلاوة وهو الاتباع والتتابع، ففي قراءة النص إتباع الألفاظ بعضها ببعض، هذا في الإطار الشكلي، أما في السياق العملي فهي الاتباع حقيقة وهو العمل بمقتضى النص ومعناه، وقد عبر عن هذا المعنى بالخصوص “حق التلاوة”(2)؛ ذلك أن نتيجة التلاوة الحقة وصف الإيمان، ونلحظ في معظم الآيات التي ورد فيها لفظ التلاوة باشتقاقاته المختلفة أن السياق يدل على احتمال المعنيين، وهو الأداء اللفظي وإتباعه بالعمل، فتكون التلاوة مرحلة أعمق من القراءة؛ إذ هي ترجمة للقراءة في السلوك والتطبيق، وعليه فلا ترادف بين القراءة والتلاوة، وإنما ارتقاء في درجات التعامل مع النص.

وفي معنى التتابع تأكيد لضرورة إدراك الروابط بين أجزاء النص واكتشاف المعنى، وبالتالي تحقيق معنى النص، فالتلاوة لا تكون إلا لنص، ومن ثم ترجمة معناه باتباعه، وفي اختيار هذا اللفظ للتعبير عن التعامل مع النص ملحظ مهم، وهو أن القرآن إنما أنزل ليتبع، واتباعه يقتضي قراءته قراءة منهجية تكتشف نظامه، بعد قراءة ألفاظه، ومن ثم متابعة هذه القراءة وت

المزيد


التعريف بكتابّ مفردات ألفاظ القرآن ل" لأصفهاني

سبتمبر 24th, 2008 كتبها محمد البويسفي نشر في , الدراسات القرآنية

البطاقة التقنية للكتاب

 X عنوان الكتاب :  معجم مفردات ألفاظ القران

  Xاسم المؤلف  :  الراغب الأصفهاني(ت 503)

 X تحقيق: نديم مرعشلي

 X المجال المعرفي الذي ينتمي إليه الكتاب:  معاني القرآن

مضمون الكتاب

  الكتاب يقع في مجلد واحد من الحجم الكبير, عدد صفحاته 728 صفحة.

تجد في بدايته مقدمة المحقق، تحدث فيها عن أهمية اللغة العربية التي هي وعاء التراث العربي الإسلامي، وتكلم عن موضوع التحقيق بإيجاز وزعن قيمته العلمية ثم عرف بالمؤلف وآثاره الفكرية، وأخيرا تحدث عن طريقته ومنهجه في التحقيق.

بعد مقدمة المحقق تجد مقدمة المؤلف تكلم فيها عن عظمة القرآن الكريم وأنه مصدر النور والهداية، لكن ليس كل الناس مؤهلون للنهل من معينه الذي لا ينضب، بل لابد من صفاء القلب ونقاوة النفس من كل الأمراض، ثم نبه إلى أن أول ما يحتاج إليه من علوم القرآن هو العلوم اللفظية، التي ترتكز على تحقيق الألفاظ المفردة، وهذه الأخيرة هي ما يعين على فهم القرآن، بعد ذلك تحدث عن منهجه في تأليف الكتاب لكن باقتضاب شديد.

الكتاب لا يحتوي على فصول، ولا مباحث كما عهدنا في باقي الكتب الأخرى، وإنما نوعية الكتاب معجمية لذلك تجد بعد المقدمة مباشرة باب حرف الألف، وتدخل تحته كل المفردات التي تبتديء بحرف الألف. بعد ذلك تجد حرف الباء، وهكذا إلى آخر حرف من الحروف الهجائية.

بعد ذلك تجد التحقيقات الفنية التي قام بها المؤلف.فجاء الكتاب بسبعمائة وثمانية وعشرون صفحة منها خمسمائة وثمانية وسبعون صفحة للمعجم والباقي خصصت للتحقيقات الفنية، ثم ذيله بفهرس.

مصادر الكتاب:

المزيد


الهدى المنهاجي في القرآن الكريم

سبتمبر 21st, 2007 كتبها محمد البويسفي نشر في , الدراسات القرآنية

الهدى المنهاجي في القرآن الكريم

للدكتور الشاهد البوشيخي

بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، اللهم افتح لنا أبواب الرحمة وأنطقنا بالحكمة، واجعلنا من الراشدين فضلا منك ونعمة، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.

موضوع هذه الكلمة أيها الأحبة هو: الهدى المنهاجي في القرآن الكريم. ومدارها على خمس نقط:

-1 النقطة الأولى في شدة حاجة الأمة اليوم إلى الهدى المنهاجي

- 2 النقطة الثانية: مفهوم الهدى المنهاجي

- 3 النقطة الثالثة: مصادر الهدى المنهاجي

- 4 النقطة الرابعة لوازم استنباط الهدى المنهاجي

- 5 النقطة الخامسة خاتمة في  ضرورة التركيز في الدرس القرآني على الهدى المنهاجي.

 

شدة حاجة الأمة اليوم إلى الهدى المنهاجي:

أيها الأحبة أمتنا اليوم لها واقع ولها موقع جعلها الله تعالى في موقع علي هو الشهادة على الناس لأن النبي صلى الله عليه وسلم،خاتم النبيين وإمام المرسلين، لا نبي بعده، فمن يقوم بوظيفة البيان؟ ومن يقوم بوظيفة البلاغ؟ ون يقوم بوظيفة الإنذار؟ ومن يقوم بوظيفة الشهادة على الناس؟ كما قال الله عز وجل:" وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا" – البقرة 143-، فقد شهد صلى الله عليه وسلم، واشهد أمته في زمانه على ذلك، فقال صلى الله عليه وسلم فيما هو معلوم مشهور: " ألا هل بلغت ؟ اللهم فاشهد"، بعد الرسول صلى الله عليه وسلم لا بد أن تشهد الأجيال عبر العصور حتى تقوم الساعة بنفس وظيفته صلى الله عليه وسلم، التي نهض بها وحده أولا، وتنهض بها الأمة جمعاء من بعده، عبر الأجيال كلها. أما الأمة اليوم فليست في هذا الموقع العلي، واقعها بعيد جدا عن هذا الموقع، فكيف تنتقل من هذا الموقع الأليم إلى ذلك الموقع العلي؟ ها هنا أمامنا كتاب ربنا، فيه كل الهدى اللازم لهذا الانتقال الفردي والجماعي، على مستوى وعلى الأمة جمعاء، هذا الكتاب فيه كل ما يلزم لهذا" إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم"، هذا هو الهدي، فيجب اتباع الهدى ليحصل الاهتداء، " يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام" أما الذي لم يتبع فلا هداية له.

الأمة اليوم في أشد وأمس الحاجة إلى هذا الهدى لتنتقل على كل المستويات، هي في حاجة إلى هذا الهدى على مستوى التفكير، تفكير الأفراد والجماعات والأمة جمعاء، هي في حاجة إلى هدى القرآن، لتنتقل من مستوى الاهتمام بما هي خائضة فيه الآن من التافهات – ولا بأس أن أعبر هكذا، فقد عشت اثنتين وستين سنة في هذا الوضع العام، أتفاعل معه ويتفاعل معي.

الأمة خائضة فيما لا ينبغي أن تخوض فيه، يجب ان ترتقي إلى المستوى الذي كان فيه الرسول صلى الله عليه وسلم، وأصحابه رضوان الله عليهم، يجب أن ترتقي إلى ذلك المستوى من الاهتمام، فتجعل الآخرة هي المبتغى، "وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون"، هذه ليست هي الحياة، " يوم يتذكر الإنسان ما سعى يقول يا ليتني قدمت لحياتي يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى"، يوم يستيقظ حقا، نحن الآن في وضع السكارى، نحن غافلون، نحن نيام.. للأسف الشديد، لا بد من الاستيقاظ، والاستيقاظ يقتضي أن نعلم علم اليقين أن هذه ليست هي الحياة، قد سمها الله الحياة الدنيا، ليست هي الحياة، لأن الحياة الحقيقية لا موت فيها، " لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى" سبق قبل، تلك هي الحياة، وتلك هي التي ينبغي أن تحركنا في الصغيرة والكبيرة، عندما شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم، حال الأمة في مثل حالنا اليوم، شخصها بمرض إسمه الوهن، " قيل وما الوهن يا رسول الله. قال: حب الدنيا وكراهية الموت"، الارتباط بالدنيا، الاقتصار في الهم على الدنيا، حبس كل الهموم والطاقات والنفقات.. في تحصيل الدنيا، ليس هذا الوضع الصحيح الذي للمسلمين، المسلمون في حقيقته أخرويون، وليسوا دنيويين، قال الله تعال: " وابتغي فيما أتاك الله الدار الآخرة ولا تنسى نصبك في الدنيا"، فإذا اسرفت في طلب الآخرة إذاك يقال لك، " ولا تنسى نصيبك من الدنيا"، أما الابتغاء فهو للآخرة، لا لسواها.

هذه نقطة تصحيحية للتفكير الكلي الضخم، لا بد أن يصبح التفكير في منتهاه واضحا، وفي مبتدئه واضحا، وفي الارتباط بالله والهدى الذي جاءنا منها.. لابد أن يكون في غاية الوضوح.

لابد ان يصحح التفكير، ولابد ا يصحح أيضا التعبير، في حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه المشهور، حينما قال له الرسول صلى الله عليه ولم:" ألا أدلك على ملاك ذلك كله؟" قلت بلى يا رسول الله. فقال صلى الله عليه وسل:" كف عليك هذا" وأخذ بطرف لسانه، فقال: أو أنا لمآخذون بما نقول يا رسول الله.قال" ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس على مناخرهم في جهنم إلا حصائد ألسنتهم" أو كم ا قال صلى الله عليه وسلم.

لو تأملنا في الآيات المتعلقة بهذا المجال، مثل " وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم"، أو في الأحاديث مثل" من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت"، إذا تأملنا قليلا في مثل هذا، ندرك بوضوح أن المسلم الفرد يمثل محطة تصفية للنفايات القولية، للشر، للباطل، لا يمكن للمسلم أن يرسل إلا الحق، إلا ما ظهرت خيريته. أما لم يكن غير ذلك فيرمى  جانبا، إلى أن يكثر الخير في التداول، ويقل الشر في التداول أيضا. إن المسلم –كما قلت- محطة تصفية في الوجود، لا يسمح للشر بالمرور ولو استقبله لضرورة، لأن الله جعلت أجهزت الاستقبال لا تغلق، أما أجهزت الإرسال فهي تغلق، يمكن التحكم فيه، يمكن للمسلم أن يستقبل الخير والشر، لكن لا يرسل إلا الخير، فإذا حاصرت أنت الشر، وحاصرته أنا، وحاصره غيرنا فما الذي سيتداول؟ سيتداول الخير.

نحن في حاجة إذن لهذا الهدى المنهاجي أيضا في التعبير، ونحتاجه في التدبير، وذلك لأمور ثلاث مهمة:

-         لتيسير الذكر، لقد حملت هذه الأمة الأمانة، ويجب أن تيسرها للناس، تحملها هي بجدارة ثم تبلغا للناس، قال تعالى" ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر"، ثم تعمير الأرض وفق هذا الذكر نفسه، وكذلك تسخير الكون كله وفق هذا الهدى نفسه.

كل ذلك مطلوب وهو صلب التدبي

المزيد


نظرات في مفهوم الأمن في القرآن- الحلقة الأخيرة

سبتمبر 13th, 2007 كتبها محمد البويسفي نشر في , الدراسات القرآنية

النظرة الرابعة:

في الحقيقة من خلال آية سبأ يمكن أن نتلمس ثلاثة موانع هي تفصيل لكفران النعمة، ولا شك أن النعمة العظمى هي نعمة الأمن فيقع كفرانها، وعندما نأتي إلى آية سورة الحجرات عند قوله تعالى )ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان( [الحجرات : 7] فهذه الأنواع الثلاثة كلها كفران لأنعم الله على رتب متفاوتة: الرتبة الأولى الخطيرة: هي رتبة الكفر الصراح، وتأتي بعدها رتبة ثانية -خطيرة أيضا- ولكنها دون الأولى، وهي الخرق المستمر للطاعة ورفض الامتثال مطلقا ليس إنكارا لله عز وجل، فهناك إيمان واعتراف بوجود الله، ولكن صاحب هذا النوع يرفض طاعته نهائيا. ولو تأملنا حال كفر إبليس وإلى أي نوع من أنواع الكفر ينتمي؟ يتبين أنه من هذا النوع، قال عز وجل في سورة الكهف الآية: 50    ) إن إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه( أي رفض أن يطيع. لكن معصية آدم عليه السلام- قبل أن يتوب الله عليه- كانت من نوع آخر، قال عز وجل:)وعصى آدم ربه فغوى ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى ( [طه:118-119]، فمعصيته نتيجة خطأ ونتيجة زلل، وكانت معصية عارضة فقط، وليس معها إصرار على رفض الطاعة مطلقا بينما معصية إبليس معها رفض لأصل الطاعة مطلقا، فهي فسق والفسوق درجة عليا في المعصية، ولم يكن إبليس ينكر وجود الله عز وجل بل بالعكس كان دائما يعتبره ربه ويدعوه ويرجوه أن ينظره إلى يوم البعث، ولكنه رفض مبدأ الطاعة وطعن في نفس الأمر وأنه ليست فيه حكمة )قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين( [ص:75] فإذن كيف يسجد له! هذا ليس بمنطق! وهذا ليس عدلا! ولا ينبغي أن يكون الأمر هكذا ! هذا تصرف إبليسي متى حدث، لأنه يطعن في أسماء الله عز وجل وصفاته، ويطعن في حكمته وعدله.

هذا هو الفسوق، وهو أيضا نوع خطير من كفران النعم كما بينت، ويأتي بعده العصيان، وهو يكون ممن يطيع أحيانا ويعصي أحيانا، مع هذا إذا كانت المعصية موجودة، فإنها كذلك تمنع بقدر وجودها حصول الأمن عند العاصي، سواء كان فردا أو جماعة أو أمة، ويصير مانعا من حصول حال الأمن، وهذه النقطة في غاية الأهمية لأنها تشير تلقائيا إلى كيف نكتسب الأمن وكيف نقي أنفسنا من خطر انعدام الأمن.

النظرة الخامسة:

إنه حين يوجد الأمن توجد أشياء أخرى معه، وترافقه خيرات وبركات، نجد آيات تتحدث عن هذا المعنى، منها قوله تعالى:

المزيد


نظرات في مفهوم الأمن في القرآن الكريم-2-

سبتمبر 11th, 2007 كتبها محمد البويسفي نشر في , الدراسات القرآنية

النظرة الثانية:

إن تتبعنا لمفهوم الأمن يوصلنا إلى حقيقة مفادها أنه مستقر في القلب، ومدار مادة "أمن" في اللسان العربي على سكينة يطمئن إليها القلب بعد اضطراب، وأنقل هاهنا قول الراغب الأصفهاني فإنه يكاد يكون جامعا لما في غيره مع تدقيق، يقول رحمه الله: "أصل الأمن: طمأنينة النفس وزوال الخوف… و"آمن" إنما يقال على وجهين: أحدهما متعديا بنفسه، يقال "آمنته": أي جعلت له الأمن، ومنه قيل لله مؤمن، والثاني: غير متعد، ومعناه صار ذا أمن …والإيمان هو التصديق الذي معه أمن"­، كأن الإمام الراغب رحمه الله لا يتصور أن يكون هناك مؤمن وليس عنده أمن، وليس في قلبه أمن أي سكينة واطمئنان، أي استقرار لا اهتزاز ولا اضطراب ولا قلق ولا حيرة لأنه مطمئن إلى ربه )ألا بذكر الله تطمئن القلوب( [الرعد: 29] .)هو الذي أنزل السكينة في قلوب المِؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم( [الفتح: 4]، فالمدار إذن على وجود سكينة في القلب في جميع ما دارت فيه المادة سواء في صورة "أمن" أو "آمن" المتعدي واللازم، المدار على هذه السكينة وعلى هذه الطمأنينة التي تأتي في حقيقتها بعد نوع من القلق والاضطراب، وتأتي بعد قدر من الخوف، وهذا الخوف عبر عنه بالخوف نفسه، وعبر عنه بالبأس، وعبر عنه بالفزع )وهم من فزع يومئذ آمنون( [النمل : 191] وعبر عنه بألفاظ أخرى غير هذه الألفاظ، ولكن مؤداها جميعا هي أنها تحدث لدى الإنسان ضربا من الخوف، فإذا جاء الأمن أزال ذلك الخوف، هذا الأصل وهذا المدار الذي تدور عليه المادة يجعلنا نتجه إلى أن المعنى الذي للأمن هو أنه حال قلبية تجعل المتصف بها في الدنيا يرتاح ويطمئن، والموصوف بها في الآخرة يسعد وتحصل له السعادة الأبدية.

هذه الحال هي نعمة من الله عز وجل، وإذا ربطنا الكلام ببعضه فإننا نجد من أسماء الله الحسنى المؤمن، وقد فهم الراغب الأصفهاني كما مر في نصه السابق أن معنى اسم الله المؤمن الذي يمنح الأمن ويعطيه، فهذه الحال التي هي نعمة من الله عز وجل هو الذي يعطيها )لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف( [سورة قريش( ومعنى آمنهم من خوف أي أعطاهم الأمن، وللمكان طبيعته الخاصة وسره الخاص، فقد وصف القرآن الكريم ذلك المكان في مواطن متعددة بأنه آمن )وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا( [البقرة 125] )وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البد آمنا( [إبراهيم 37] )أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا( [العنكبوت:67]. ذلك سر جعله الله في ذلك المكان تفضلا منه سبحانه وتعالى، وإنا لنرى ذلك حتى الساعة، إذ كيف نفسر- على سبيل المثال- اندياح موجة الاستعمار الغربي على جميع ديار الإسلام – تقريبا- ولكن لم يحدث هذا الأمر بالنسبة للبلد الحرام، لا لأن تلك المنطقة كانت قوية، فعسر على الاستعمار أن يحتلها، ولكن هناك سر لله عز وجل في هذا الأمر جعله آمنا ومن دخله كان آمنا، هذا شيء نراه عبر التاريخ، وهذه الملحوظة بالتحديد تلفت النظر بقوة، فالجزيرة تنقصت من أطرافها واحتلت شواطئها الشرقية وجنوبها وغربها وشمالها وبقي وسطها، والأمر كذلك بالنسبة للفرس والروم زمن رسول الله e وقبله، فالمكان له وضعيته وله حال خاصة، هبة من الله تعالى لا تزال مستمرة، لكن بالنسبة للإنسان حصول تلك الحال مرتبط بأسباب وشروط. وهنا تقف في النظرة الثالثة على أسباب وجود الأمن وشروط استمراره.

النظرة الثالثة:

السبب الأول لوجود الأمن في هذه الأمة- وهو شرط في نفس الوقت-  هو الإيمان، والأمر في غاية الوضوح، هناك علاقة بين الإيمان والأمانة والأمن، وهذه الألفاظ الثلاثة تنتمي لنفس المادة، والأصل الذي يتفرع منه كل شيء هو الإيمان، والإيمان يعطي الأمانة ويعطي أداء الأمانة ولا إيمان لمن لا أمانة له، والله أمر بأداء الأمانات وحرم خيانة الأمانات )يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أمانتكم وأنتم تعلمون

المزيد


نظرات في مفهوم الأمن في القرآن الكريم- 1-

سبتمبر 9th, 2007 كتبها محمد البويسفي نشر في , الدراسات القرآنية

نظرات في مفهوم الأمن في القرآن الكريم

بسم الله الرحمان الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه ولا حول ولا وقوة إلا بالله العلي العظيم، ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا، اللهم أنفعنا بما علمتنا وعلمنا ما ينفعنا وزدنا علما، اللهم افتح لنا أبواب الرحمة وأنطقنا بالحكمة واجعلنا من الراشدين فضلا منك ونعمة.

الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتب ولم يجعل له عوجا، الحمد لله الذي له الحمد في الأولى والآخرة، الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه.

أيها الأحبة، المصطلح في كتاب الله عز وجل: أي ألفاظ هذا الكتاب هي ألفاظ هذا الدين وعليها المدار، والقرآن نفسه بينها في مواطن كثيرة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم  بينها أيضا في مواطن كثيرة، والراسخون في العلم عبر القرون اجتهدوا أيضا في بيانها في مواطن كثيرة، ولكن حال زماننا هذا بما هو عليه من قدر غير يسير من البعد عن كتاب الله عز وجل: بعد لغوي وبعد إيماني، بعد مفهومي، وبعد مصطلحي، هذا البعد يجعل الاهتمام وتركيز الاهتمام على هذه الألفاظ اليوم من أوجب الواجبات، وهذه الألفاظ لا نستطيع اليوم أن نقترب وأن نلج عالم القرآن وأن نتغلغل في أعماقه إلا بعد الاقتراب منها ومحاولة التمكن من مضامينها و مفاهيمها، وهي لا تتأثر بالعصور فهي ثابتة في كتاب الله عز وجل وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم وقد قلت يوما – بفضل الله تعالى- إن هذا الكتاب يحمل معجمه ويحمي معجمه، فلو حاولنا ما حاولنا، وحاول المحاولون ما حاولوا أن يحدثوا التغيير في أي مفهوم لكتاب الله عز وجل فلن يستطيعوا ذلك، وذلك من حفظ الله عز وجل لكتابه مما ينص عليه قوله تعالى: ) إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون( [الحجر9] ومن تلك الألفاظ المهمة جدا في كتاب الله عز وجل والتي نحتاج إليها كثيرا، نحتاج إلى فهمها وتبين المراد منها لنعرف كيف نكسب مضمونها، ولنعرف كيف نتصف بمفهومها.

ومن تلك الألفاظ المهمة لفظ الأمن، ، وذلك لأن حاجة البشرية إليه اليوم شديدة جدا، فالقلق مسيطر على البشرية في كل مجال، الاضطراب والحيرة وقلق البال واضطراب الحال، حال القلوب خاصة، هذا الأمر متمكن غاية التمكن من البشرية اليوم، وذلك شيء طبيعي، لأن الشيء الذي به يسكن القلب البشري ويطمئن ويرتاح، والذي به تسعد الروح البشرية في هذه الدنيا وفي الآخرة أيضا، ليس هو الذي له السيادة اليوم وليس هو الذي منه تقتات البشرية، وإليه ترجع، فالمرجعية اليوم لغير كتاب الله عز وجل، بينما هو الروح, روح البشرية حقيقة كما قال تعالى: )وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا( [الشورى 49] فالقرآن هو الروح الذي يجمع هذه القطع المتناثرة من أمة الإسلام ليجعل منها- بإذن الله تعالى – جسدا واحدا له كل مظاهر الحياة التي أشار إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح المشهور: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) (رواه احمد ومسلم). فبغير روح القرآن لا يكون هذا الجسد، ولن تجتمع هذه القطع في كيان واحد حي يرى ويسمع ويفقه وتكون له أعين يبصر بها، وله آذان يسمع بها، وله قلوب يفقه بها، بغير هذا القرآن لن تكون حياة، ولن يكون اجتماع، لنحظى برؤية الأمة من جديد، أمة الإسلام، فما أكثر الحواجز-


المزيد


نظرية الفصل و الوصل في العلوم الإسلامية

يوليو 20th, 2007 كتبها محمد البويسفي نشر في , الدراسات القرآنية

نظرية الفصل و الوصل في العلوم الإسلامية

د: حميد الوافي

الحمد لله رب لعالمين الصلاة واسلام على أشرف المرسلين .

القضية التي أريد إثارتها معكم مدارها على نوع ن المراجعة النقدية للعلوم الشرعية من حيث قضاياها ومن حيث الإتبات والنفي فيها ومن حيث منهج العرض وإن شئت حول الوظائف لهذه العلوم والحديث عن هذه القضية أو في هذا الإشكال العلمي

تنطلق من أمرعام هو أن الآمة التي اتشرف بالإنتماء إليها , أة الشهادة والقيادة ما كانت لتكون كذلك إلا بما حملها الشرع من رسالة تقوم بها بي الناس .

ومدار هذه الرسالة على استيععاب القصد الشرعي من إنزال الكتب وإرسال الرسل وفي خاتمتهم محمد صلى الله عليهوسلم والمدخل لهذا أيضا هو الحديت أو إتارة إشكال أو قضية التجديد في العلوم الشرعية أو تجديد العلوم بشكل عام والعلوم الشرعية بشكل خاص . ومدار هذا أيضا على منطلق أخص منه وهو أن حياة الأمة بحياة الشرع والعلم فيها , وقوة الأمة على أداء رسالتها بوضع العلم الشرعي فيها وستضل المشكلة الأولى أو مشكلة أمتنا الأولى بتعبير أستاذنا الشاهد البوشيخ هي مشكلة المنهج , فبقدر استيعابنا للضية إدراكنا لموقع المنهج فيما يمكن أن نحقق رشدنا الحضاري والعلمي , وأن نستوعب وظائف العلم في حياتنا .

والفصل والوصل كما سيأتي معنا البعد , هما عمليتان منهجيتان مدارهما على إعادة البناء الداخلي للعلم علم علم ومن جهة تانية على إثارة السؤال , او الإجابة على السؤال ما يفيده الباحث من هذا العلم .

وهو بذل يتيح لنا الفرصة لإحدات نو من التدقيق في العلوم الشرعية , تدقيق قائم علء تجديد النظر النقدي والمنهجي وهو سيفظي بنا في النهاية إلى أمرين اثنين : الأر الأول اكتساب المعرفة أو التحقق من العلم . والثاني بناء العقل الإسلامي إعدادا له لدخول  المعترك الحضاري لوصل حاضر الأمة بما فيها وبناء مستقبلها .

وهذه المراجعة كما اسلفت مدارها على ثلاث محاور أو قضايا:

المحور الأول: قضايا العلوم

المحور الثاني: منهج العلم الداخلي، أي الإثبات و النفي و اعتبار قضاياه أو نفيها

المحور الثالث: منهج عرض العلوم في إحداث التراتبية بين قضاياها و إشكالاتها العلمية.

و مما  يعيننا على إدراك هذه القضايا إثارة عددا من الأسئلة متعلقة بالموضوع، موضوع العلم و منهج العلم، و الغاية من العلم، و من ثم يكون السؤال الأول: هل أنتج العلم الشرعي نظاما معرفيا من شأنه أن يقرر في قضاياه من حيث ما ينبغي أن يكون و ما لا ينبغي أن يكون. و هذه المحاولة العامة الآن  على المستةى النظري الكلي يمكن أن نحدث لها تنزيلا  على  مستوى كل علم علم، لأن تحديد الموضوع به تبدأ به عملية العلم.

و السؤال الثاني: هل سار ذلك النظام جهازا للمراقبة، به تبنى القضايا بحيث يشكل مجموعا نسقا  يقتضي ترتيبا معينا و هو ما يمكن أن نسميه منهج عرض المادة، و هذا يفضي بنا إلى السؤال: هل استطاعع هذا العلم بما أنتج من نظام معرفي و نسق عام ان يكون حاكما على   ترتيب القضايا، و شرط هذا الترتيب ألا يكون قطعيا.

قد يختلف  فيه العلماء تقديما و تأخيرا لكن لكل تقديم أو

المزيد


دليل القرآن وعلاقته بالسنة في التشريع

يونيو 15th, 2007 كتبها محمد البويسفي نشر في , الدراسات القرآنية

حدد الله سبحانه وتعالى علاقة القرآن بالسنة عندما بين أن وظيفة الرسول صلى الله عليه وسلم هي بيان القرآن، قال تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم﴾.

وبناء على أن السنة «شارحة للقرآن وموضحة له» فقد اعتبر العلماء أنها تشكل معه وحدة بنائية؛ بحيث لا يمكن فهمه استقلالا عنها، وهذا ما يوضحه ابن حزم بقوله: «… الحديث والقرآن كله كلفظة واحدة، فلا يحكم بآية دون أخرى، ولا بحديث دون آخر؛ بل يضم كل ذلك بعضه إلى بعض؛ إذ ليس بعض ذلك أولى بالاتباع من بعض، ومن فعل غير هذا فقد تحكم بلا دليل».

إن وضوح علاقة القرآن بالسنة – الذي تحدثنا عنه آنفا – لم يمنع من قيام إشكالات حول هذه العلاقة في مرحلة لاحقة من تاريخ التشريع الإسلامي، خصوصا الإشكالات المتعلقة بالتعارض والنسخ والتخصيص.

فمما يتعلق من ذلك بالتعارض – مثلا – ما هو مأثور عن الإمام مالك – رحمه الله تعالى – من «رده لبعض الآثار المنسوبة للنبي صلى الله عليه وسلم؛ لمخالفتها المنصوصَ عليه في القرآن، أو المقررَ المعروفَ من قواعد الدين    … »، ومن ذلك رده خبر أداء الصدقة عن المتوفى لمعارضته لقول الله تعالى :﴿  وَ أَن لَّيْسَ لِلإنسان إلا ما سعى ﴾.

ولمالك – رحمه الله تعالى – في ذلك سلف من الصحابة؛ فقد قالت عائشة رضي الله عنها لابن أبي مليكة – لما حدثها عن  عبد الله بن عمر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ” إن الميت يعذب ببكاء الحي عليه ” - : والله إنك لتخبرني عن غير كاذب ولامتهم، ولكن السمعَ يخطئ، وفي القرآن ما يكفيكم: ﴿ ألاَّ تزر وازرة وزر أخرى﴾ .

وقبل عائشة؛ رد عمر بن الخطاب خبرَ فاطمةَ بنت قيس: طلقني زوجي البتة، فخاصمتًه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في النفقة والسكنى، فلم يجعل لي نفقة ولا سكنى. فقال عمر: لاندع كتاب ربنا لقول امرأة لاندري لعلها نسيت أو شبه عليها.

يعني بالكتاب قولَه تعالى: ﴿ اسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ﴾. ولهذا رده الحنفية، وجعلوا للمبتوتة النفقة والسكنى معا.

ولئن كان عذر عمر هو عدم ثبوت الحديث لديه، فليس الأمر كذلك فيما يتعلق بعائشة؛ فإنها صرحت

بثبوت السند لديها كما رأينا آنفا.

وقد اشتهر خلاف الأصوليين في النسخ: بين من ينكر وجوده أصلا، ومن يثبت منه صورا دون أخرى، وفيما يتعلق بموضوعنا فقد عُلم ما ذهب إليه الشافعي من عدم جواز« نسخ القرآن بالسنة بحال وإن كانت متواترة ».

كما ذاع خلافهم في تخصيص الكتاب بالسنة؛ سواء كانت قطعية أو ظنية، وتخصيص السنة بالكتاب.

وفي وقت ما من تاريخ التشريع الاسلامي ظهر الخلاف في كون السنة تستقل بتشريع الاحكام، أم أنها لاتأتي إلا بما له أصل في القرآن؟.

وكان الشافعي –في الرسالة- قد بين حالات السنة مع القرآن، وقرر أنها مؤسِّسة

المزيد


التالي