بيان النصرة لغزة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد:
فإنَّ العدوان الوحشي الآثم لليهود المحتلين على أهلنا في غزة، دخل أسبوعه الرابع ومازال مستمراً أمام سمع وبصر العالم كله، دون أن يوقفه أحد، رغم فظاعة الجرائم التي فاقت كل الأوصاف، وانتهكت كل الحقوق، وخالفت كل القوانين، ودون أيِّ اعتبار لكل ما يسمى بتحركات ومطالبات المجتمع الدولي، ولا قرارات مجلس الأمن، وإننا - نحن الموقعين أدناه - نعلن للأمة بكل وضوح المواقف الشرعية الصحيحة، والأفعال العملية الحقيقية الواجب القيام بها، وبين يدي ذلك نبيّن الحقائق التالية:
أولاً- موقف الكيان الصهيوني المحتل:
استخدم المجرمون اليهود المغتصبون آلة الحرب المدمرة بشكل يكشف للعالم كله حقيقة هذا الكيان العنصري الإجرامي، ويبدد جميع الأوهام الكاذبة بإدعاء ديمقراطيته أو إنسانيته أو شرعيته، والحقائق تبين ذلك:
أ- الوحشية الإجرامية المتمثلة في كثافة استخدام الأسلحة المدمرة من الصواريخ والقذائف الجوية وقنابل الطائرات، والقصف المدفعي بالدبابات براً، وبالزوارق والسفن الحربية بحراً، مما يوضح استهداف القتل الجماعي، والتدمير للبنية التحتية، وهذه مخالفة قانونية صارخة لاتفاقيات جنيف الرابعة، وهي جرائم إنسانية خلَّفت أعداداً كبيرةً من الشهداء تجاوز الألف شهيد، وعدداً أكبر من الجرحى تجاوز خمسة آلاف.
ب- تعمد قتل الأطفال والنساء، حيث تجاوزت نسبتهم 40% من بين الشهداء، والشهداء الباقين من الرجال والشيوخ ليسوا من رجال المقاومة.
ج- تعمد قتل للمدنيين في صورة إبادة جماعية من خلال القصف العشوائي الذي استهدف البيوت بساكنيها، والمساجد بالمصلين فيها، وقد احتجزوا أعداداً من إخواننا الفلسطينيين في بعض المنازل ثم قصفوها فوق رؤوسهم.
د- استهداف المقار التابعة الأمم المتحدة مثل (مدارس الأونروا) والفرق الطبية الإسعافية للصليب الأحمر والهلال الأحمر، بل ضرب المستشفيات.
هـ - استخدام الأسلحة المحرمة دولياً مثل القنابل الفسفورية البيضاء الحارقة التي نص الملحق الثالث لاتفاقية السلام للأمم المتحدة على خطر استخدامها في الحروب، بل واستخدام أسلحة كيمائية غريبة قاتلة تستخدم لأول مرة وهي ما تزال تحت التجربة.
وبعد كل هذه الجرائم فإن الادعاء بأن هذا العدوان كان استفزازاً،وأن الكيان المحتل يدافع عن نفسه قول باطل لا أساس له من الصحة أو المنطق، ومن ثم فإن تحميل المسؤولية على أي طرف غير العدوان اليهودي الإجرامي هو جريمة قانونية وأخلاقية، وهو -بصورة مباشرة - مساندة للعدوان وتأييد له، والعدو اليهودي المحتل قد ارتكب مئات المذابح والجرائم الوحشية على مدى أكثر من ستين عاماً قبل وجود حماس والجهاد الإسلامي.
إن هذه الجرائم لم تعد خافية،والحديث عنها ليس مقصوراً على المسلمين بل إن كثيراً من الذين أظهروها وتحدثوا عنها مؤسسات دولية وعالمية مثل (مؤسسة العفو الدولية) و(هيومن رايتس ووتش) وجماعات كثيرة مناهضة للظلم والعدوان -بعضها يهودية- في عدد من دول العالم، بل وفي داخل الكيان الصهيوني نفسه، وقد بدأت جهات قانونية حقوقية في أوروبا العمل على رفع دعاوى ضد الكيان المحتل بارتكابه جرائم حرب.
ونحن قبل ذلك كله نجد ذلك في كتاب الله حيث يقول جل وعلا: ﴿ لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً ﴾ [التوبة/10]، وعدوانهم مستمر كما قال تعالى: ﴿ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ﴾ [البقرة/217]، وقوله جل وعلا ﴿ كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله﴾.
ثانياً - موقف أهلنا الأبطال في غزة:
أظهرت الأحوال العامة في غزة المرابطة، من خلال المقابلات التلفزيونية مع أبناء فلسطين فيها على مختلف القنوات ومن جميع الشرائح رجالاً ونساءً وشيوخاً وأطفالاً صوراً فريدة غير مسبوقة من الصبر والصمود في مواجهة وحشيّة الصهاينة، وإنها لكرامة من الله سبحانه وتعالى لهم حيث لم يظهروا ضعفاً، ولم يعلنوا استسلاماً.
وهذه بعض الصور الشاهدة لذلك:
1- مواقف عامة الشعب الفلسطيني في غزة:
أ- تعاظم حالات الثبات وعدم الاستسلام ا وانكسار الإرادة، رغم شراسة العدوان وهمجيته ووحشيته.
ب- تجلي المواقف الإيمانية في الصبر والاحتساب، وتفويض الأمر لله والتوكل والاعتماد عليه، بل والفخر بالشهادة، والإصرار على مواصلة الثبات في وجه العدوان والمقاومة له بالوسائل الممكنة.
2- مواقف المجاهدين الفلسطينيين:
أ- القدرة المدهشة على الثبات والصمود في مواجهة العدوان الإجرامي الفظيع بالآلة العسكرية المدمرة المتطورة.
ب- استمرار القدرة على إطلاق الصواريخ ووصولها إلى مسافات لم تكن متوقعة من قبل، واستهدافها لمواقع مؤثرة، وعدم توقفها حتى0 أثناء الغارات والقصف مما اثار الرعب والهلع والارباك في صفوف العدو.
جـ- المقاومة الشرسة للعدوان البري، والمواجهة البطولية للقوات المحتلة وإلحاق الخسائر بها قتلاً وجرحاً، وصدها وإيقاف تقدمها.
د- الوحدة والتكامل بين فصائل المقاومة جميعاً وخاصة في مواقف ثباتها وإعلانها لاستمرار الجهاد.
هـ-المواجهة للعدو في ميدان الحرب النفسية والتأثير الإعلامي والجهادي ضد الجيش الغازي والشعب من ورائه بمختلف شرائحه ومؤسساته.
و- القدرة المتميزة على حضور فصائل الجهاد في المشهد الإعلامي ومواكبتها للأحداث بالبيانات والمقابلات، فضلاً عن مواصلة الظهور السياسي والتعامل مع أطروحاته.
ز- وضوح وتوحّد مطالب المجاهدين التي أعلنتها حركة حماس وأيدتها حركات المقاومة الجهادية الأخرى وهي مطالب تحقق مصالح الشعب الفلسطيني بوقف العدوان وانسحاب قوات الاحتلال وكسر الحصار نهائياً وفتح المعابر بما فيها معبر رفح بشكل مستمر وعدم القبول بقوات دولية أو تهدئة دائمة.
هـ- ثبات مواقف فصائل المقاومة من الحقوق الشرعية الفلسطينية في تحرير القدس وتحرير الأسرى وحق العودة للاجئين، ومشروعية المقاومة الجهادية، وعدم الاعتراف بشرعية الكيان المحتل.
ان هذه المواقف ترتبط بالمواقف الإيمــانية القرآنية في منطلقاتها ومفاهيمها وممارساتها، فالشهادة فوز وارتقاء للجنان ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴾ [آل عمران/169]، والتوكل على الله واستمداد القوة منه من قوله تعالى: ﴿ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ﴾ [آل عمران/126]، وموازين القوى من قولـــــــــــــــه تعالى ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ ﴾ وقوله ﴿ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ﴾.
وهى تظهر- بحمد الله - خسارة رهان المرجفين والمتآمرين على استسلام المقاومة ورضوخها لجبروت العدو، والرضا بالشروط والقرارات التي يريد العدو -ومن يسانده-أن يفرضها عليهم لتحقيق مصالحه.
وأثبتت فصائل الجهاد وفي مقدمتها حركة حماس أنه لا يمكن تجاوزها، ولا عدم الأخذ بآرائها ووجهات نظرها حتى أذعن العالم كله إلى ضرورة التعامل معها ومعرفة شروطها.
وإننا نحيّي صمود أهلنا المرابطين والمجاهدين في أكناف بيت المقدس، ونشدُّ على تمسّكهم بحقوقهم المشروعة، وردّ أعدائهم بكل الوسائل الممكنة،ندعوهم إلى ثباتهم على مواقفهم وعدم الاستسلام للمبادرات التي تضيع الحقوق وتكافئ المعتدي وتقف إلى جانب الظالم وتخذل المظلومين.
3- الموقف الأمريكي:
معلوم أن أمريكا هي الداعم الرئيس الدائم للكيان الصهيوني المحتل، وهي التي تقدم له الإمداد المالي، والأسلحة والعتاد العسكري، وتوفر له الغطاء الدولي والسياسي، وهذا ما ظهر جلياً في هذه الحرب الإجرامية؛ حيث حمَّلت أمريكا حماس مسئولية الحرب، وأيدت الكيان المحتل في عدوانه واعتبرته مدافعاً عن أمنه، وأعلنت أن عدوانه مشروع، بل وأيدت الهجوم البري، وعطلت اتخاذ أي إجراء أو قرار يدين العدو أو يوقف عدوانه، حتى القرار الذي أسهمت في إعداده لا يشتمل على ذكر العدو ولا بشاعة العدوان فضلاً عن تحميل العدو المسئولية، ومع ذلك فإنها امتنعت عن التصويت عليه، وأخيراً وليس آخراً شحنات من الذخائر الأمريكية التي ستصل إلى اليهود المحتلين، فأمريكا شريك مباشر في هذا العدوان، والاتحاد الأوروبي لا يبعد كثيراً في مواقفه عن أمريكا من حيث الجوهر والنتائج.
وأما الدول العربية والإسلامية فإن مواقفها ضعيفة عاجزة، ليس لها تأثير، وهي مختلفة تتراشق التهم فيما بينها، وتعمل على تعطيل المشاريع الجماعية التي تؤدى إلى مواقف قوية واضحة، مما جعل بعضها في موضع الاتهام بالتآمر والمشاركة في الجريمة.
إننا ندعو الجميع إلى نصرة إخواننا المرابطين من أهل غزة والمجاهدين في فصائل المقاومة، فالنصرة واجب شرعي تقتضيها الأخوة الإيمانية ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾ [الحجرات/10]، وقال الرسول r: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) ويؤكد ذلك قوله r: (الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ وَيُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ)، والوقوف مع المسلمين المعتدى عليهم واجبٌ مؤكد في قوله تعالى: ﴿ وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ ﴾ [الأنفال/72]، والرسول عليه الصلاة والسلام يقول: (الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِه)(البخاري)، وفي رواية مسلم (الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ وَلَا يَحْقِرُهُ)، ومقاومة إخواننا لليهود المحتلين جهاد شرعي صحيح لا شك فيه، فالعدو كافر غاصب وقد اعتدى عليهم فسفك الدماء ودنس المقدسات فقتاله ومقاومته جهاد شرعي لدفع العدوان وإعادة الحقوق.
كما ندعو إلى ما يلي:
أولاً - على مستوى الدول العربية:
القيام بتحمل مسؤولياتها، وأن تتجاوب مع مطالب شعوبها التي ظهرت بشكل واضح وفي صورة أشبه بالاستفتاء العام الذي تضمَّن تجريم اليهود وتأييد المقاومة الجهادية والدعوة لنصرتها، ومن أهم ذلك ما يلي:
1- ضرورة الوقوف إلى جانب شعبنا الفلسطيني المظلوم المعتدى عليه، وعدم خذلان المجاهدين الذين يدافعون عن الأمة وكرامتها، ويردون العدوان الغاشم الذي لا تقف أطماعه عند حدود فلسطين بل تتعداه إلى غيرها من الدول العربية المجاورة.
2- التوافق على قرار جماعي بقطع جميع الدولة العربية التي لها علاقة بالكيان الصهيوني بقطع جميع العلاقات الدبلوماسية وطرد السفراء.
3- التوافق على قرار جماعي بقطع جميع العلاقات الاقتصادية وكافة التعاملات والاتفاقيات التجارية، وإعادة المقاطعة للكيان الصهيوني، وإيقاف كل أشكال التطبيع والتعامل مع الكيان المحتل في جميع المجالات.
4- التوافق على قرار بتفعيل اتفاقية الدفاع العربي المشترك استعداداً من أمتنا لغدر الصهاينة وعدوانهم الدائم.
5- إيقاف مسيرة السلام وسحب المبادرة العربية، وعدم البقاء في أسر السلام خياراً استراتيجياً، فقد بدأت مفاوضات السلام في مدريد عام 1991م وبعدها جاءت اتفاقية أوسلو 1993م التي لم تحقق شيئاً سوى الارتهان للعدو، والانفراد بكل دولة على حدة وقطع صلات بعضها ببعض على حساب العلاقات والمصالح مع الكيان المحتل.
6- مباشرة كسر الحصار عن غزة بفتح معبر رفح بشكل دائم ودون تأخير أو تعليل يتسبب في المزيد من المآسي والمعاناة، ويضيف شدة على أهل غزة فوق شدة العدو المحتل وقسوته.
7- عدم إدانة المقاومة بل الاعتراف بشرعيتها المقررة إسلامياً، والثابتة قانونياً، مع دعمها معنوياً ومادياً، فليس مقبولاً أن يُمنع السلاح عن المقاومة المطالبة بحقوقها بينما العدو يتسلح علناً بأحدث وأفتك أنواع الأسلحة من كل الدول الكبرى.
8- الإدانة الرسمية لموقف أمريكا المؤيد والداعم للكيان المحتل، واستدعاء السفراء للتشاور وإعادة النظر في العلاقات.
ثانياً: على مستوى العلماء:
1- شكر العلماء والدعاة الذين أعلنوا مواقفهم في نصرة المجاهدين وإدانة المعتدين، وعملوا على توعية وتوجيه المسلمين للوقوف مع إخوانهم المظلومين، وشكر إضافي للإتحاد العالمي لعلماء المسلمين على مبادرته بتشكيل وفد للقاء قادة السعودية وقطر والأردن وسوريا وتركيا لتبليغ كلمة العلماء وبيان النظر الشرعي في الأحداث ومناصحة القادة في أداء الواجب.
2- أهمية المبادرة إلى إعداد بيان شرعي محرَّر يبين إسلاميَّة قضية فلسطين، وشرعيَّة الجهاد والمقاومة ضد اليهود المحتلين، وتأكيد الحقوق الثابتة في مقدسات المسلمين وأراضيهم، وبيان الموقف الشرعي لمختلف جوانب التعامل مع القضية الفلسطينية، وكذلك مواقف المتع
المزيد