نشأة القواعد الأصولية وتطورها

مارس 15th, 2008 كتبها محمد البويسفي نشر في , دراسات أصولية ومقاصدية

إن الحديث عن القواعد الأصولية هو حديث عن أصول الفقه، باعتبارها من أول المباحث الأصولية نشأة.
فقد نشأت القواعد الأصولية بشكل عام في زمن مبكر من التاريخ الإسلامي. فالنبي صلى الله عليه و سلم، انتقل إلى الرفيق الأعلى و قد بين كتاب الله، بشكل لم يبقى معه إجمال بعده صلى الله عليه و سلم. و لذلك لم تكن هناك حاجة لوضع قواعد للتفسير و البيان، ما دام المبين- بالكسر- موجدا.
و في عهد الصحابة رضي الله عنهم، لم تكن حاجة أيضا للبيان، ذلك أنهم – رضي الله عنهم- عربا أقحاح، حباهم الله بفصاحة اللسان سليقة و طبعا من غير تكلف و لا تصنع، و لكل قوم ميزة تميزهم، و الفصاحة ميزة العرب دون غيرهم، و لقد اصطفى الله تعالى لغتهم لتكون لغة القرآن الكريم،" و إنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين" (الشعراء 192/195).
فكان لهم من سليقتهم العربية، و معرفتهم لسباب النزول و طبيعة البيئة التي نزل فيها الوحي، و إدراكهم لأسرار التشريع، بما عرفوا من حال رسول الله صلى الله عليه و سلم، و ما قاله، ما أغناهم عن وضع قواعد لتفسير النصوص التي يراد بها استنباط الأحكام منها.
و إذا كانت الضوابط، توضع لتكون موازين للفهم و لاستنباط، لئلا ينحرف المستنبط او يزل، فإن ما توفر للصحابة من ملكة اللسان، و الوقوف على أسرار التشريع بمعاصرة الوحي، و معرفة بأسباب نزوله و بيان المبلغ عن ربه، كان كل الكفاية لأداء الغرض الذي من أجله توضع الضوابط و تحدد الموازين[1].
و لذلك بقيت لنا نماذج من فهومهم السليمة تدل على تمكن من اللسان العربي و معرفة بأسرار التشريع. فقد روي عن عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- حين تكلم عن عدة المتوفى عنها زوجها و هي حامل – قال: إن عدتها أن تضع حملها، و ستدل بقوله تعالى: " و أولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن" (الطلاق 4). و قال: أشهد أن سورة النساء الصغرى نزلت بعد سورة النساء الكبرى، و هذا اعتماد على أن الثاني ينسخ الأول.[2]
و قد سار الصحابة- رضي الله عنهم- على هذا المنوال في تبليغ الدعوة و بيان الرسالة و تعليم الناس، حتى جاء عصر التابعين، و كل طبقة من هؤلاء التابعين تفقهوا على يد من كان عندهم من الصحابة في البلد الذي يقطنونه أو يرحلون إليه.
و قد اتسع الفتح الإسلامي، و دخل في الإسلام أقوام جدد فاختلط العرب بغيرهم بحكم انسياحهم في البلاد المفتوحة، و اتساع رقعة دولة الإسلام، فلم تعد العربية سليقة لكثير من الناس، و خاصة سكان الحضر، و كثرت الحوادث التي لم يكن للمسلمين عهد بها قبل الفتح. وكان ذلك مدعاة لنوع من الضبط لمآخذ الأحكام الفقهية، ليتسنى للمجتهد فهم سليم لنصوص الكتاب و السنة و إعطاء أحكام لما يجد من وقائع لم تكن من ذي قبل فكان طبيعيا في خضم هذه المستجدات التي لم تكن من قبل أن تظهر فروق في الاستدلال في هذا العصر، فوجدت بذلك مدرستان فقهيتان: مدرسة أهل الحديث و مدرسة أهل الرأي.
أما أهل الحديث فإنهم يقفون عند ظواهر النصوص دون بحث عللها. و قلما يفتون برأي.
أما أهل الرأي فإنهم يبحثون عن علل الأحكام، و ربط المسائل بعضها ببعض، و لا يحجمون عن الرأي إذا لم يكن عندهم اثر.
و كان أكثر أهل الحجاز أهل الحديث، و أكثر أهل العراق أهل رأي.[3]
مع أن كلا الفريقين عنده الحديث و عنده الرأي، و كانت نهضة عظيمة ترمي إلى الوفاء بالحاجات العملية للمجتمع، و قد اتسع ميدان الجدل و المناظرة بين فقهاء المدرستين، كما بدأت في نظر الباحثين الاحتمالات و الاشتباهات في مدلولات النصوص، و معني الألفاظ، و كانت طبيعة هذه المرحلة تقضي بأن يعين كل فريق بضبط مسائله، فظهرت نثارات من الضوابط هنا و هناك، تعتمد أذواق تربت في ذلك الملكات الفكرية في الفقه، و الحرص على الاستعانة بما جرى عليه الاستعمال عند الصحابة و تلامذتهم من التابعين.
و تلك الضوابط، و إن لم تتضح معالمها، إلا أن الباحث يجزم أن فهوم أولئك الأئمة و اجتهادا تهم، لم تكن عن عبث أو هوى، و إنما كانت ثمرة لما استضاء به ذهن الفقيه، و ملكته الواعية المدركة، و إن كان ذلك لم يخرج إلى حيز الواقع على شكل قواعد مدونة.[4]
و إنما كانت شذرات موزعة و مصطلحات متداولة على ألسن الفقهاء، إلى أن جاء الشافعي فكتب كتابه الرسالة. و هو أول كتاب ضم مباحث أصول الفقه في إطار نظري ناظم. فنشأ بذلك علم أصول

المزيد


نشأة القواعد الأصولية و تطورها

نوفمبر 24th, 2007 كتبها محمد البويسفي نشر في , دراسات أصولية ومقاصدية

 

إن الحديث عن القواعد الأصولية هو حديث عن أصول الفقه، باعتبارها من أول المباحث الأصولية نشأة.
فقد نشأت القواعد الأصولية بشكل عام في زمن مبكر من التاريخ الإسلامي. فالنبي صلى الله عليه و سلم، انتقل إلى الرفيق الأعلى و قد بين كتاب الله، بشكل لم يبقى معه إجمال بعده صلى الله عليه و سلم. و لذلك لم تكن هناك حاجة لوضع قواعد للتفسير و البيان، ما دام المبين- بالكسر- موجدا.
و في عهد الصحابة رضي الله عنهم، لم تكن حاجة أيضا للبيان، ذلك أنهم – رضي الله عنهم- عربا أقحاح، حباهم الله بفصاحة اللسان سليقة و طبعا من غير تكلف و لا تصنع، و لكل قوم ميزة تميزهم، و الفصاحة ميزة العرب دون غيرهم، و لقد اصطفى الله تعالى لغتهم لتكون لغة القرآن الكريم،" و إنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين" (الشعراء 192/195).
فكان لهم من سليقتهم العربية، و معرفتهم لسباب النزول و طبيعة البيئة التي نزل فيها الوحي، و إدراكهم لأسرار التشريع، بما عرفوا من حال رسول الله صلى الله عليه و سلم، و ما قاله، ما أغناهم عن وضع قواعد لتفسير النصوص التي يراد بها استنباط الأحكام منها.
و إذا كانت الضوابط، توضع لتكون موازين للفهم و لاستنباط، لئلا ينحرف المستنبط او يزل، فإن ما توفر للصحابة من ملكة اللسان، و الوقوف على أسرار التشريع بمعاصرة الوحي، و معرفة بأسباب نزوله و بيان المبلغ عن ربه، كان كل الكفاية لأداء الغرض الذي من أجله توضع الضوابط و تحدد الموازين[1].
و لذلك بقيت لنا نماذج من فهومهم السليمة تدل على تمكن من اللسان العربي و معرفة بأسرار التشريع. فقد روي عن عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- حين تكلم عن عدة المتوفى عنها زوجها و هي حامل – قال: إن عدتها أن تضع حملها، و ستدل بقوله تعالى: " و أولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن" (الطلاق 4). و قال: أشهد أن سورة النساء الصغرى نزلت بعد سورة النساء الكبرى، و هذا اعتماد على أن الثاني ينسخ الأول.[2]
و قد سار الصحابة- رضي الله عنهم- على هذا المنوال في تبليغ الدعوة و بيان الرسالة و تعليم الناس، حتى جاء عصر التابعين، و كل طبقة من هؤلاء التابعين تفقهوا على يد من كان عندهم من الصحابة في البلد الذي يقطنونه أو يرحلون إليه.
و قد اتسع الفتح الإسلامي، و دخل في الإسلام أقوام جدد فاختلط العرب بغيرهم بحكم انسياحهم في البلاد المفتوحة، و اتساع رقعة دولة الإسلام، فلم تعد العربية سليقة لكثير من الناس، و خاصة سكان الحضر، و كثرت الحوادث التي لم يكن للمسلمين عهد بها قبل الفتح. وكان ذلك مدعاة لنوع من الضبط لمآخذ الأحكام الفقهية، ليتسنى للمجتهد فهم سليم لنصوص الكتاب و السنة و إعطاء أحكام لما يجد من وقائع لم تكن من ذي قبل فكان طبيعيا في خضم هذه المستجدات التي لم تكن من قبل أن تظهر فروق في الاستدلال في هذا العصر، فوجدت بذلك مدرستان فقهيتان: مدرسة أهل الحديث و مدرسة أهل الرأي.
أما أهل الحديث فإنهم يقفون عند ظواهر النصوص دون بحث عللها

المزيد


حد الردة .. والإشكال الأصولي

سبتمبر 3rd, 2007 كتبها محمد البويسفي نشر في , دراسات أصولية ومقاصدية

حد الردة .. والإشكال الأصولي

للدكتور أحمد الريسوني

من الآيات التي ذهب بعض المفسرين إلى القول بنسخها، الآية الكريمة: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} [البقرة: 256 ]، مع أن الآية تقرر قضية كلية قاطعة، وحقيقة جلية ساطعة، وهي أن الدين لا يكون ـ ولا يمكن أن يكون ـ بالإكراه. فالدين إيمان واعتقاد يتقبله عقل الإنسان وينشرح له قلبه، وهو التزام وعمل إرادي، والإكراه ينقض كل هذا ويتناقض معه.

فالدين والإكراه لا يمكن اجتماعهما، فمتى ثبت الإكراه بطل الدين. فالإكراه لا ينتج دينا، وإن كان قد ينتج نفاقا وكذبا وخداعا، وهي كلها صفات باطلة وممقوتة في الشرع، ولا يترتب عليها إلا الخزي في الدنيا والآخرة.

وكما أن الإكراه لا ينشئ دينا ولا إيمانا، فإنه كذلك لا ينشئ كفرا ولا ردة، فالمكرَه على الكفر ليس بكافر، والمكره على الردة ليس بمرتد، وهكذا فالمكره على الإيمان ليس بمؤمن، والمكره على الإسلام ليس بمسلم. ولن يكون أحد مؤمنا مسلما إلا بالرضا الحقيقي: "رضيتُ بالله ربا وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا ورسولا". وإذا كان الإكراه باطلا حتى في التصرفات والمعاملات والحقوق المادية والدنيوية، حيث إنه لا ينشئ زواجا ولا طلاقا، ولا بيعا، ولا بيعة، فكيف يمكنه أن ينشئ دينا وعقيدة وإيمانا وإسلاما؟!.

فقضية {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} هي قضية كلية محكمة، عامة تامة، سارية على أول الزمان وآخره، سارية على المشرك والكتابي، سارية على الرجال والنساء، سارية قبل الدخول في الإسلام، وبعده، أي سارية في الابتداء وفي الإبقاء، فالدين لا يكون بالإكراه ابتداء، كما لا يكون بالإكراه إبقاء.

ولو كان للإكراه أن يتدخل في الدين ويُدخل الناس فيه، أو يبقيهم فيه، لكان هو الإكراه الصادر عن الله عز وجل، فهو سبحانه وحده القادر على الإكراه الحقيقي والمُجْدي، الذي يجعل الكافر مؤمنا والمشرك موحدا والكتابي مسلما، ويجعل جميع الناس مؤمنين مسلمين، ولكنه سبحانه ـ بحكمته ـ أبى ذلك ولم يفعله: {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} [ يونس: 99 ] {قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} [ الأنعام: 149 ]، {وَلَوْ شَاء اللَّهُ مَا أَشْرَكُواْ وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ} [ الأنعام: 107] فحكمة الله التي لم تأخذ بالإكراه في الدين، حتى في صورة كونه ممكنا ومجديا وهاديا، لا يمكن أن تقره حيث لا ينتج سوى الكذب والنفاق وكراهية الإسلام وأهله.

وإذا كانت الآية {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} غير منسوخة وغير قابلة للنسخ، فهي أيضا غير مخصصة وغير قابلة للتخصيص. وأقل ما يقال في هذا المقام، هو أن الآية جاءت بصيغة صريحة من صيغ العموم، فلا يمكن تخصيصها إلا بدليل مكافئ ثبوتا ودلالة. قال العلامة ابن عاشور: "وجيء بنفي الجنس [لا إكراه]، لقصد العموم نصا، وهي (أي الآية) دليل واضح على إبطال الإكراه على الدين بسائر أنواعه…".

إذا تقرر أن هذه الآية محكمة غير منسوخة، وعامة غير مخصوصة، وإذا كان هذا واضحا وصريحا بلفظ الآية ومنطوقها، فلننظر الآن في بعض الاعتراضات والاستشكالات الواردة في الموضوع، وأهمها أمران:

الأول: ما ثبت في عدد من النصوص القرآنية والحديثية وكذلك في السيرة النبوية الفعلية، من قتال للمشركين حت

المزيد


أولويات البحث في الأصول والمقاصد

يونيو 10th, 2007 كتبها محمد البويسفي نشر في , دراسات أصولية ومقاصدية

أولويات البحث في الأصول والمقاصد

 

الدكتور أحمد الريسوني

 كلية الآداب ـ الرباط

 

هذه ورقة تكميلية للبحث الذي تقدم به الأستاذ الدكتور الحسين آيت سعيد، فهي أقرب إلى أن تكون تعقيبا وتتميما منها إلى البحث المستقل القائم بنفسه. ولذلك أدخل وبدون مقدمات إلى صميم الموضوع،وإلى صميم ما هو مطلوب، وهو القضايا ذات الأهمية والأولوية في مرحلتنا الحالية في مجال أصول الفقه ومقاصد الشريعة.

 

في الدراسـات الأصولية

 

أولا /علم أصول الفقه تاريخيا ومنهجا:

 

     التأريخ لأي علم مسألة في غاية الأهمية، لأن التأريخ للعلم، ودراسة هذا التأريخ مدخل لا غنى عنه لمعرفة كنه ذلك العلم،وكيف تشكل وكيف نشأ، وكيف سار في مختلف مساراته وتطوراته، وكيف تفاعل مع مختلف المؤثرات العلمية وغير العلمية، وكيف نما حين نما، وكيف كبا حين كبا…

     وبالنسبة للعلوم الإسلامية، فقد قيض الله لمعظمها- قديما وحديثا- من يؤلفون ويكتبون في تاريخها، مثلما كتب الدكتور على سامي النشار كتابه الضخم " نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام وكتب غيره قديما في تاريخ علم الكلام والفرق الكلامية، وكتب الأستاذ محمد الحجوي الثعالبي كتابه الكبير الشهير"الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي" وكتب الشيخ محمد الخضري عن "تاريخ التشريع الإسلامي"، والشيخ محمد أبو زهرة عن"تاريخ الجدل ونحو ذلك من الكتابات التأريخية لمختلف العلوم والفنون.

     ومهما يكن من شأن هذه المؤلفات في تاريخ مختلف العلوم الإسلامية ومدى فاستيفائها التاريخي، فإن علم أصول الفقه يبقى أقلها حظا في هذا المجال. فالجانب التاريخي عادة ما يكتفي أصحابه بتسجيل مقتضب لمرحلة التأسيس، مع ذكر أبرز المؤلفات والاتجاهات الأصولية. وهذا الاقتضاب سببه أن هذا الالتفات التاريخي يأتي عرضا ضمن مقدمات المؤلفات الأصولية أو الدراسات المخصصة لبعض أعلام الأصوليين.

      ما أعنيه الآن هو ضرورة وضع تاريخ كامل وشامل لعلم أصول الفقه، من حيث المساحة الزمنية التاريخية، ومن حيث المساحة المكانية الجغرافية، ومن حيث المدارس والمذاهب والتوجهات، ومن حيث التطور الداخلي للعلم في قضاياه وإشكالا ته، وإجماعاته واختلافاته، وفي مفاهيمه ومصطلحاته، وكذلك تفاعلات أصول الفقه- تأثرا وتأثيرا- بمختلف المؤثرات المحيطة به في الزمان والمكان.

مثل هذا التأريخ الشامل المتكامل لعلم أصول الفقه له فوائده الكثيرة والكبيرة، منها:

   1- التمييز في هذا العلم وقضاياه وقواعده، بين ما هو ثابت وما هو متغير، بين ما هو من صميم الشرع وما هو اجتهاد وفكر وثقافة ظرفية، وما هو علمي مشترك،وما هو مذهبي خاص بأهله أو بصاحبه.

   2- الوقوف على التطورات الهائلة - كما وكيفا- التي عرفها الفكر الأصولي عبر العصور، مما يسمح لنا بتقدير المساحة القابلة للمراجعة والإلغاء والإبقاء، والتكميل والتجديد.

   3- استكشاف الحلقات والثغرات المفقودة أو المغمورة أو المهملة من هذا العلم وأعلامه ومصنفاته واتجاهاته المنهجية، مما لا نجده عادة في تلك المقدمات أو اللمحات المقتضبة التي تقتصر على ذكر مشاهير الأصوليين ومؤلفاتهم المتداولة التي تناسل بعضها من بعض، جمعا، أو شرحا، أو اختصارا…

  ومعلوم أن عددا غير قليل من العلماء الراسخين، ليس لهم مصنفات في علم أصول الفقه، ولكن لهم تراث أصولي نفيس مبثوث في كتبهم الفقهية أو التفسيرية أو في كتب ليس لها تصنيف محدد، أذكر هنا على سبيل المثال ابن جرير الطبري، وأبا سليمان الخطابي، وابن عبد البر، وابن دقيق العيد، وابن عبد السلام، وابن القيم.

  وواضح أن ما أدعو إليه من التأريخ والدراسة التاريخية لعلم أصول الفقه لا يحققه كذلك ما ألف وأنجز من تراجم الأصوليين ومن أعمال ببليوغرافية، فهذه تمثل حلقات صغيرة متقطعة، مفيدة بدون شك، ولكنها بعيدة عن تقديم الصورة العامة التي أقصدها.

  وهنا لابد من التنويه بالعمل الجيد الذي قدمه الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان في كتابه القيم"الفكر الأصولي، دراسة تحليلية نقدية"، فهو عينة قريبة مما أدعو إليه،  ويمكن اعتباره حلقة أولى- أو مبادرة أولية- في هذا المشروع. وكذلك الأطروحة التي قدمها بهذه الكلية الأستاذ عبد السلام بلاجي.

ولاشك أن هذا المشروع الكبير يحتاج إنجازه إلى فريق من الباحثين المختصين في حدود العشرة. ولا بأس إذا تكرر إنجاز هذا العمل مرتين أو عدة مرات، أو تكرر البحث والتأليف في بعض جوانبه وحلقاته، لكي تكون هذه الإنجازات يكمل بعضها بعضا، ويسدد بعضها بعضا، ويصحح بعضها بعضا فأسأل الله تعالى أن يقيض لهذا المشروع من يقومون له ويقومون به بتوفيقه وعونه سبحانه.

 

ثانيا /الدراسة الأصولية للقرآن والسنة:

     جرت عادة الأصوليين أن يقرروا الأصول والأدلة والقواعد،ثم يلتمسون الاستدلال عليها من القرآن والسنة، ومن غيرهما من الوجوه الاستدلالية النقلية والعقلية. فتجدهم يقولون- مثلا-: القياس حجة شرعية،

المزيد