ضوابط في كتابة التاريخ الإسلامي
إثبات الوثيقة التاريخية و تحقيقها
يمكن إثبات الأخبار التاريخية و تحقيقها انطلاقا من دراسة سند الرواية التاريخية و تناول أصحابها جرحا و تعديلا، ثم دراسة مثن الرواية، ثم نخلص إلى شروط قبولها.
v دراسة السند:
السند اصطلاحا هو: سلسلة الرواة الذين نقلوا الخبر بعد واحد إلى أن يصلوا بالرواية إلى مصدرها الأصلي (محمد الطحان: أصول التخريج و دراسة الأسانيد ص 157)
و الإسناد ظهر بعد أن ظهر الكذب و الوضع: ووقعت فتن، و تعدد الفرق، كل ينسج الأخبار و الرويات على هواه تدعيما لرأيه. يقول ابن سيرين: "لم يكن يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة، قالوا سموا لنا رجالكم فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، و ينظر إلى أهل البدعة فلا يؤخذ حديثهم"[1]
وبهذا بدأ علماء الحديث في وضع الجرح و التعديل، و سارت الرويات لا تقبل إلا من ثقة عدل، ضابط أما غيره فلا تقبل منه.
و قد وضع العلماء الكتب و التصانيف في علم الرجال، فنجد عندهم كتب خاصة بالتقات و كتب خاصة بالضعفاء، و كتب جامعة بينهما، و نجد بعض الإشارات في كتب المؤرخين كابن خلدون في مقدمته حيث يقول "إن كان في كتب المسعودي و الواقدي من المطعن و المغمز ما هو معروف عند الإثبات و مشهور بين الحفظة الثقات، إلا أن الكافة اختصتهم بقبول أخبارهم، و اقتفاء سننهم في التصنيف و اتباع أثرهم ، و الناقد البصير قسطاس نفسه في تزيفهم فيما ينقلون " ص4.
ونفس الأمر نجده عند ابن العربي في كتابه " العواصم من القواسم " حيث يقول : " ومن أشد شيء على الناس جاهل عاقل ، أو مبتدع محتال. فأما الجاهل فهو ابن قتيبة ، فلم يبق ولم يذر للصحابة رسما في كتاب " الإمامة والسياسة " إن صح عنه جميع ما فيه ، وكالمبرد في كتابه الأدبي ، وأين عقله من عقل تعلب الإمام المتقدم في أماليه ، فإنه ساقها بطريقة أدبية سالمة من الطعن على أفاضل الأمة.
وأما المبتدع المحتال فالمسعودي ، فإنه يأتي منه متاحمة الإلحاد فيما روى من ذلك ، وأما البدعة فلا شك فيها (…) وحتى سمعوا للجاحظ أن تقرأ كتبه في المساجد وفيها من الباطل والكذب والمناكير ونسبة الأنبياء إلى أنهم ولدوا لغير رشدة كما قال في إسحاق عليه السلام في كتاب الضلال والتضلال " (العواصم من القواسم ص 247 – 252).
هناك ملاحظة وهي أن كتاب " الإمامة والسياسة " موضوع ، نسب إلى ابن قتيبة وهو بريء منه براءة الذئب من دم يوسف (انظر الكلام الذي نقلناه عن الأستاذ أمحزون).
كما أشار بن العربي إلى كتب الأدب وما تحتويه من أغاليط حول الصحابة والأنبياء. وهذه الكتب اعتمد عليها المستشرقون خاصة.
· وبقي أن نشير إلى كتاب الطبري حيث جمع فيه المؤلف روايات مختلفة من رواة منهم من توفرت فيه شروط الرواية ومنهم من لم تتوفر فيه. وقد أشار إلى هذا هو بنفسه في مقدمة كتابه. ونريد هنا أن نسوق كلاما نفيسا لفتحي عثمان حول كيفية الإستفادة من كتاب الطبري : " إنما ينتفع بأخبار الطبري من يرجع إلى تراجم رواته في كتب الجرح والتعديل فتراجم شيوخه مباشرة وشيوخهم توجد في مثل تذكرة الحفاظ للذهبي. وتراجم الرواة الذين كانوا إلى أواخر المائة الثانية توجد في خلاصة تهذيب الكمال للصفي الخزرجي وتقريب التهذيب ، وتهذيب التهذيب للحافظ ابن حجر ، والذين تناولهم الجرح من الضعفاء يترجم لهم الحافظ الذهبي في ميزان الإعتدال والحافظ ابن حجر في لسان الميزان. وفي طبقات ابن سعد وتاريخ بغداد للخطيب ، وتاريخ دمشق لابن عساكر وتاريخ الإسلام للذهبي والبداية والنهاية لابن كثير.[2]
v دراسة المثن :
ويراد بدراسة المثن دراسة النص من جوانب متعددة ، منها ما يهدف إلى التأكد من صحة النص بأن لا يخالف طبائع الأشياء والمعلومات التاريخية المستفيضة أو يشمل على أمر منكر أو مستحيل إلى غير ذلك من الأمور ، ومنها ما يهدف إلى فهم النص وفقهه سواء فهم أحكامه ودلالتها ، أو فهم لغته وألفاظه.[3]
وفي هذا الأمر يقول ابن خلدون : " … فهو محتاج إلى مآخذ متعددة ومعارف متنوعة وحسن نظر وتثبت يفضيان بصاحبهما إلى الحق وينكبان به عن المزلات والمغالط لأن الأخبار إذا اعتمد فيها على مجرد النقل ، ولم تحكم أصول العادة وقواعد السياسة وطبيعة العمران والأحوال في الإجتماع الإنساني ، ولا قيس الغائب منها على الشاهد والحاضر بالذاهب فربما لم يؤمن فيها من العثور ومزلة القدم والحيد عن جادة الصدق وكثيرا ما وقع للمؤرخين والمفسرين وأئمة النقل من المغالط في الحكايات والوقائع لاعتمادهم فيها على مجرد النقل غثا أو سمينا ، ولم يعرضوها على أصولها ، ولا قاسوها بأشباهها ولا سبروها بمعيار الحكمة والوقوف على طبائع الكائنات وتحكيم النظر والبصيرة في الأخبار فضلوا عن الحق وتاهوا في بيداء الوهم والغلط "[4].
فعن طريق دراسة المثن يتأكد من صحة الوثيقة وسلامتها من التحريف أو التشويه ، بعد أن توضح تحت مجهر البحث والفحص والتمحيص. وقد نجد رواية صحيحة في مثنها ، ضعيفة في سندها ، كما يمكن أن يكون السند صحيحا ، لكن المثن ضعيف وهكذا.
- شروط قبول الرواية :
اشترط العلماء لقبول الرواية شروطا منها ما يتصل بالسند أو سلسلة الرواة كالعدالة والضبط ، ومنها ما يتصل بالمثن كعدم مخالفتها للقواعد العامة للدين ، إلا أن هذه الشروط لا يمكن تطبيقها على جميع الأخبار التاريخية ، لأنها لا تصل في ثبوتها وعدالة رواتها ، واتصال أسانيدها إلى مرتبة الأحاديث النبوية ، إلا فيما يتعلق ببعض الروايات في السيرة والخلافة الراشدة : مما تأكدت عن طريق مصنفات السنة. أما أكثرها فمحمول عن الإخباريين بأسانيد منقطعة يكثر فيه المجاهل والضعفاء والمتروكين ، ولهذا فرق العلماء فيما يمكن أن يتشدد فيه من الأخبار ، مثل الأخبار التي تمس العقيدة وتحليل وتحريم ، والتي تمس سيرة الرسول (ص) والصحابة والعلماء الثابتة عدالتهم ، كالزهري وابن سيرين… أما الأخبار التي لا تمسهم فيمكن أن يتساهل في قبولها ، كما قبل العلماء الحديث الضعيف في فضائل الأعمال والترغيب والترهيب.[5]
يقول أكرم ضياء العمري : " أما اشتراط الصحة الحديثية في قبول الأخبار التاريخية التي لا تمس العقيدة والشريعة ففيه تعسف كبير ، والخطر الناجم عنه كبير لأن الروايات التاريخية التي دونها أسلافنا المؤرخون لم تعامل معاملة الأحاديث ، بل تم التساهل فيها ، وإذا رفضنا منهجهم فإن الحلقات الفارغة في تاريخنا ستمثل هوة سحيقة بيننا وبين ماضينا ، مما يولد الحيرة والضياع ، والتمزق والإنقطاع… لكن ذلك لا يعني التخلي عن منهج المحدثين في نقد أسانيد الروايات التاريخية فهي وسيلتنا إلى الترجيح بين الروايات المتعارضة ، كما أنها خير معين في قبول أو رفض بعض المتون الضطربة أو الشاذة عن الإطار العام لتاريخنا. ولكن الإفادة منها ينبغي أن تتم بمرونة ، آخذين بعين الإعتبار ، أن الأحاديث غير الروايات التاريخية ، وأن الأحاديث نالت من العناية ما يمكنها من الصمود أمام قواعد النقد الصارمة[6].
بعد جمع الروايات والأخبار التاريخية ، وفحصها سندا ومثنا ، ولايكون عندنا مشكل من حيث مادة الدراسة (الوثيقة) . ننتقل إلى صياغة التاريخ الإسلامي وتفسيره.
إعادة صياغة التاريخ الإسلامي وتفسيره
إن إعادة صياغة التاريخ الإسلامي وتفسيره تحتاج إلى مجهود فكري ضخم ، وتحتاج إلى مؤرخين ومحققين وعلماء مسلمين فطاحل ، فليس كل من هب ودب يأتي ليفتي في أمر التاريخ الإسلامي وتفسيره على هواه ، بدون ضوابط علمية تحكمه. لذا نقترح مجموعة من الظوابط تحكم متناول التاريخ الإسلامي دراسة وتحليلا :
v إن التاريخ الإسلامي هو تاريخ حياة أناس مسلمين لهم دين وعقيدة : وهي كانت الدافع في كل سلوكاتهم وهي منطلق تحركاتهم ، وأعمالهم محكومة بما يعتقدون ، وما الفتوحات الإسلامية التي قاموا بها بهدف نشر الإسلام وهداية الخلق إلا دليل على ذلك ، وإلا لماذا لم يقوموا بها قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وكل الظروف المتوفرة بعد البعثة كانت متوفرة قبلها . فلا جديد إذن من حيث الإمكانات المادية .
وعلى هذا الأساس ينبغي أن تنطلق دراسة التاريخ الإسلامي . والتعامل مع الأحداث والوقائع وتفسيرها ينبغي أن يكون بميزان الشرع الإسلامي ، فنقول أن هذا السلوك أو هذه الحرب ، أو هذا الحكم وافق الشرع أو لم يوافقه . أما أن نحكم عليه انطلاقا من خلفيات غير إسلامية فهذا غير صحيح . فمثلا تاريخ أوربا – خاصة العصر الحديث والمعاصر – قام على أ















