ضوابط في كتابة التاريخ الإسلامي

يونيو 26th, 2007 كتبها محمد البويسفي نشر في , دراسات تاريخية

ضوابط في كتابة التاريخ الإسلامي

إثبات الوثيقة التاريخية و تحقيقها

يمكن إثبات الأخبار التاريخية و تحقيقها انطلاقا من دراسة سند الرواية التاريخية و تناول أصحابها جرحا و تعديلا، ثم دراسة مثن الرواية، ثم نخلص إلى شروط قبولها.

v   دراسة السند:

السند اصطلاحا هو: سلسلة الرواة الذين نقلوا الخبر بعد واحد إلى أن يصلوا بالرواية إلى مصدرها الأصلي (محمد الطحان: أصول التخريج و دراسة الأسانيد ص 157)

و الإسناد ظهر بعد أن ظهر الكذب و الوضع: ووقعت فتن، و تعدد الفرق، كل ينسج الأخبار و الرويات على هواه تدعيما لرأيه. يقول ابن سيرين: "لم يكن يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة، قالوا سموا لنا رجالكم فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، و ينظر إلى أهل البدعة فلا يؤخذ حديثهم"[1]

وبهذا بدأ علماء الحديث في وضع الجرح و التعديل، و سارت الرويات لا تقبل إلا من ثقة عدل، ضابط أما غيره فلا تقبل منه.

و قد وضع العلماء الكتب و التصانيف في علم الرجال، فنجد عندهم كتب خاصة بالتقات و كتب خاصة بالضعفاء، و كتب جامعة بينهما، و نجد بعض الإشارات في كتب المؤرخين كابن خلدون في مقدمته حيث يقول "إن كان في كتب المسعودي و الواقدي من المطعن و المغمز ما هو معروف عند الإثبات و مشهور بين الحفظة الثقات، إلا أن الكافة اختصتهم بقبول أخبارهم، و اقتفاء سننهم في التصنيف و اتباع أثرهم ، و الناقد البصير قسطاس نفسه في تزيفهم فيما ينقلون " ص4.

ونفس الأمر نجده عند ابن العربي في كتابه " العواصم من القواسم " حيث يقول : " ومن أشد شيء على الناس جاهل عاقل ، أو مبتدع محتال. فأما الجاهل فهو ابن قتيبة ، فلم يبق ولم يذر للصحابة رسما في كتاب " الإمامة والسياسة " إن صح عنه جميع ما فيه ، وكالمبرد في كتابه الأدبي ، وأين عقله من عقل تعلب الإمام المتقدم في أماليه ، فإنه ساقها بطريقة أدبية سالمة من الطعن على أفاضل الأمة.

وأما المبتدع المحتال فالمسعودي ، فإنه يأتي منه متاحمة الإلحاد فيما روى من ذلك ، وأما البدعة فلا شك فيها (…) وحتى سمعوا للجاحظ أن تقرأ كتبه في المساجد وفيها من الباطل والكذب والمناكير ونسبة الأنبياء إلى أنهم ولدوا لغير رشدة كما قال في إسحاق عليه السلام في كتاب الضلال والتضلال " (العواصم من القواسم ص 247 – 252).

هناك ملاحظة وهي أن كتاب " الإمامة والسياسة " موضوع ، نسب إلى ابن قتيبة وهو بريء منه براءة الذئب من دم يوسف (انظر الكلام الذي نقلناه عن الأستاذ أمحزون).

كما أشار بن العربي إلى كتب الأدب وما تحتويه من أغاليط حول الصحابة والأنبياء. وهذه الكتب اعتمد عليها المستشرقون خاصة.

·             وبقي أن نشير إلى كتاب الطبري حيث جمع فيه المؤلف روايات مختلفة من رواة منهم من توفرت فيه شروط الرواية ومنهم من لم تتوفر فيه. وقد أشار إلى هذا هو بنفسه في مقدمة كتابه. ونريد هنا أن نسوق كلاما نفيسا لفتحي عثمان حول كيفية الإستفادة من كتاب الطبري : " إنما ينتفع بأخبار الطبري من يرجع إلى تراجم رواته في كتب الجرح والتعديل فتراجم شيوخه مباشرة وشيوخهم توجد في مثل تذكرة الحفاظ للذهبي. وتراجم الرواة الذين كانوا إلى أواخر المائة الثانية توجد في خلاصة تهذيب الكمال للصفي الخزرجي وتقريب التهذيب ، وتهذيب التهذيب للحافظ ابن حجر ، والذين تناولهم الجرح من الضعفاء يترجم لهم الحافظ الذهبي في ميزان الإعتدال والحافظ ابن حجر في لسان الميزان. وفي طبقات ابن سعد وتاريخ بغداد للخطيب ، وتاريخ دمشق لابن عساكر وتاريخ الإسلام للذهبي والبداية والنهاية لابن كثير.[2]

v   دراسة المثن :

 ويراد بدراسة المثن دراسة النص من جوانب متعددة ، منها ما يهدف إلى التأكد من صحة النص بأن لا يخالف طبائع الأشياء والمعلومات التاريخية المستفيضة أو يشمل على أمر منكر أو مستحيل إلى غير ذلك من الأمور ، ومنها ما يهدف إلى فهم النص وفقهه سواء فهم أحكامه ودلالتها ، أو فهم لغته وألفاظه.[3]

وفي هذا الأمر يقول ابن خلدون : " … فهو محتاج إلى مآخذ متعددة ومعارف متنوعة وحسن نظر وتثبت يفضيان بصاحبهما إلى الحق وينكبان به عن المزلات والمغالط لأن الأخبار إذا اعتمد فيها على مجرد النقل ، ولم تحكم أصول العادة وقواعد السياسة وطبيعة العمران والأحوال في الإجتماع الإنساني ، ولا قيس الغائب منها على الشاهد والحاضر بالذاهب فربما لم يؤمن فيها من العثور ومزلة القدم والحيد عن جادة الصدق وكثيرا ما وقع للمؤرخين والمفسرين وأئمة النقل من المغالط في الحكايات والوقائع لاعتمادهم فيها على مجرد النقل غثا أو سمينا ، ولم يعرضوها على أصولها ، ولا قاسوها بأشباهها ولا سبروها بمعيار الحكمة والوقوف على طبائع الكائنات وتحكيم النظر والبصيرة في الأخبار فضلوا عن الحق وتاهوا في بيداء الوهم والغلط "[4].

فعن طريق دراسة المثن يتأكد من صحة الوثيقة وسلامتها من التحريف أو التشويه ، بعد أن توضح تحت مجهر البحث والفحص والتمحيص. وقد نجد رواية صحيحة في مثنها ، ضعيفة في سندها ، كما يمكن أن يكون السند صحيحا ، لكن المثن ضعيف وهكذا.

 

-         شروط قبول الرواية :

اشترط العلماء لقبول الرواية شروطا منها ما يتصل بالسند أو سلسلة الرواة كالعدالة والضبط ، ومنها ما يتصل بالمثن كعدم مخالفتها للقواعد العامة للدين ، إلا أن هذه الشروط لا يمكن تطبيقها على جميع الأخبار التاريخية ، لأنها لا تصل في ثبوتها وعدالة رواتها ، واتصال أسانيدها إلى مرتبة الأحاديث النبوية ، إلا فيما يتعلق ببعض الروايات في السيرة والخلافة الراشدة : مما تأكدت عن طريق مصنفات السنة. أما أكثرها فمحمول عن الإخباريين بأسانيد منقطعة يكثر فيه المجاهل والضعفاء والمتروكين ، ولهذا فرق العلماء فيما يمكن أن يتشدد فيه من الأخبار ، مثل الأخبار التي تمس العقيدة وتحليل وتحريم ، والتي تمس سيرة الرسول (ص) والصحابة والعلماء الثابتة عدالتهم ، كالزهري وابن سيرين… أما الأخبار التي لا تمسهم فيمكن أن يتساهل في قبولها ، كما قبل العلماء الحديث الضعيف في فضائل الأعمال والترغيب والترهيب.[5]

يقول أكرم ضياء العمري : " أما اشتراط الصحة الحديثية في قبول الأخبار التاريخية التي لا تمس العقيدة والشريعة ففيه تعسف كبير ، والخطر الناجم عنه كبير لأن الروايات التاريخية التي دونها أسلافنا المؤرخون لم تعامل معاملة الأحاديث ، بل تم التساهل فيها ، وإذا رفضنا منهجهم فإن الحلقات الفارغة في تاريخنا ستمثل هوة سحيقة بيننا وبين ماضينا ، مما يولد الحيرة والضياع ، والتمزق والإنقطاع… لكن ذلك لا يعني التخلي عن منهج المحدثين في نقد أسانيد الروايات التاريخية فهي وسيلتنا إلى الترجيح بين الروايات المتعارضة ، كما أنها خير معين في قبول أو رفض بعض المتون الضطربة أو الشاذة عن الإطار العام لتاريخنا. ولكن الإفادة منها ينبغي أن تتم بمرونة ، آخذين بعين الإعتبار ، أن الأحاديث غير الروايات التاريخية ، وأن الأحاديث نالت من العناية ما يمكنها من الصمود أمام قواعد النقد الصارمة[6].

بعد جمع الروايات والأخبار التاريخية ، وفحصها سندا ومثنا ، ولايكون عندنا مشكل من حيث مادة الدراسة (الوثيقة) . ننتقل إلى صياغة التاريخ الإسلامي وتفسيره.

إعادة صياغة التاريخ الإسلامي وتفسيره

إن إعادة صياغة التاريخ الإسلامي وتفسيره تحتاج إلى مجهود فكري ضخم ، وتحتاج إلى مؤرخين ومحققين وعلماء مسلمين فطاحل ، فليس كل من هب ودب يأتي ليفتي في أمر التاريخ الإسلامي وتفسيره على هواه ، بدون ضوابط علمية تحكمه. لذا نقترح مجموعة من الظوابط تحكم متناول التاريخ الإسلامي دراسة وتحليلا :

v   إن التاريخ الإسلامي هو تاريخ حياة أناس مسلمين لهم دين وعقيدة : وهي كانت الدافع في كل سلوكاتهم وهي منطلق تحركاتهم ، وأعمالهم محكومة بما يعتقدون ، وما الفتوحات الإسلامية التي قاموا بها بهدف نشر الإسلام وهداية الخلق إلا دليل على ذلك ، وإلا لماذا لم يقوموا بها قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وكل الظروف المتوفرة بعد البعثة كانت متوفرة قبلها . فلا جديد إذن من حيث الإمكانات المادية .

وعلى هذا الأساس ينبغي أن تنطلق دراسة التاريخ الإسلامي . والتعامل مع الأحداث والوقائع وتفسيرها ينبغي أن يكون بميزان الشرع الإسلامي ، فنقول أن هذا السلوك أو هذه الحرب ، أو هذا الحكم وافق الشرع أو لم يوافقه . أما أن نحكم عليه انطلاقا من خلفيات غير إسلامية فهذا غير صحيح . فمثلا تاريخ أوربا – خاصة العصر الحديث والمعاصر – قام على أ

المزيد


التاريخ الإسلامي بين المستشرقين و المتغربين

يونيو 23rd, 2007 كتبها محمد البويسفي نشر في , دراسات تاريخية

 

بقيت الكتب على ماهي عليه حتى جاء المستشرقون فنقبوا عن الروايات الضعيفة و الساقطة ونشروها و بحثوا عن أهل الباطل و سلطوا عليهم الأضواء و رفعوا قيمتهم سواء أكانوا مؤرخين أو أدباء و شعراء … فجعلوا من بشار بن برد شاعرا فذا، و لجؤوا إلى شعره و اتخذوه حكما على العصر الذي عاش فيه و في هذا يقول د. أمحزون "فعمدوا إلى التشبت بالروايات المشبوهة و الضعيفة والساقطة يلتقطونها من كتب الأداب و التاريخ و قصص السمر و الحكايات العامية، و الكتب المنحولة و الضعيفة مثل كتاب "الأغاني" و "البيان و التبيين" و "الإمامة و السياسة" و "الكامل في الأدب" و "نهج البلاغة" (…) و غيرها من الكتب التي يعتمدونها في الغالب مع ما يجدون من الروايات الموضوعة و الضعيفة في تاريخ الطبري و المسعودي و اليعقوبي و بن مزاحم، و غيرهم. و يكفيهم إشارة هامشية منها لكي يبادروا إلى تضخيمها، و التوسع في إعطاء الشرح و التفسيرات لها و البناء عليها صرحا كاذبا من المعطيات والتخمينات"[1]

فصوروا لنا التاريخ الإسلامي أنه تاريخ حروب و صراعات و تطاحنات سياسية، ما أن تصعد دولة إلى الحكم حتى تقوم فئة تعارضها فتطيح بها … وهكذا، فتعيش الشعوب بين حاكم و آخر طامع في الحكم و الخروج على الحكام طريقهم.

و عمدوا إلى الحكام و العظماء فبحثوا عن أخطائهم و مساوئهم، فضخموها - خاصة كتب الأدب – فجعلوا من هارون الرشيد بطلا من أبطال ألف ليلة و ليلة، و أنه من المعاقرين للخمر "و أين هذا من حال الرشيد و قيامه بما يجب لمنصب الخلافة من الدين و العدالة، و ما كان عليه من صحبة العلماء والأولياء و محاورته للفضيل بن عياض، و بن السماك و العمري و مكاتبته سفيان الثوري، و بكائه من مواعظهم و دعائه بمكة في طوافه، و ما كان عليه من العبادة والمحافظة على أوقات الصلوات و شهود الصبح لأول وقته. حكى الطبري و غيره أنه كان يصلي في كل يوم مائة ركعة نافلة، و كان يغزو عاما ويحج عاما، و قد تبت عنه أنه عهد بحبس أبي نواس لما بلغه من انهماكه في المعاقرة (أي الخمر) حتى تاب و أقلع و إنما كان الرشيد يشرب نبيذ التمر على مذهب أهل العراق و فتاويهم معروفة، و أما الخمر الصرف فلا سبيل إلى اتهامه بها و لا تقليد الأخبار الواهية فيها فلم يكن الرجل بحيث يواقع محرما من أكبر الكبائر عند أهل الملة و لقد كان أولئك القوم كلهم بمنجاة عن ارتكاب السرف و الترف…"[2]

ثم جاء بعدهم المتغربون فساروا على نفس المنهج، و اقتفوا آثرهم، فاعتمدوا على الرويات الضعيفة و الموضوعة، و فسروا الأحداث التاريخية حسب هواهم، كما تعاملوا معها بعقلية معاصرة، ولم يراعوا ظروف تلك الوقائع و أحوالها.وفي هذا الشأن يرى عماد الدين خليل أن معظم الذي كُتِبَ عن تاريخ الأمة الإسلامية: لا يعدو أن يكون غثاءً كمياً -إذا صح التعبير- لا يضيف جديداً، إن على مستوى المنهج أو على مستوى الموضوع، فضلاً عن أنه يكشف عن خواء محزن في القدرة على التحليل والتركيب، وفي الخلفية الثقافية وقوة الخيال، وفي الأسلوب وطرائق التعبير. ثم، وهو الأدهى والأمر، أن معظم الأطروحات هذه تجرى وفق ما تريده "السياسيات التعليمية" للمؤسسات الأكاديمية التي أُنجزت بها. ومن ثم فإن تاريخ الأمة الإسلامية يغدو "أمريكيا في جامعة برنستون.. ماركسياً في جامعة موسكو.. إنكليزياً في جامعة أكسفورد أو لندن أو سانت أندروز.. مع هوى بني إسرائيل في الجامعة العبرية. مجلة إسلامية المعرفة - العدد: 037 – 038 -أحمد إبراهيم أبو شوك-

ونحن نعيش في عصر السرعة، و تطور وسائل الإتصال. الحدث ينقل مباشرة عبر وسائل الإعلام، فتصل إلى كل أنحاء العالم في دقائق بل توان معدودة، و تؤخذ التصريحات من صانعي الحدث ليسمعها كل المتتبعين مباشرة، بينما في تلك العصور لم تكن هناك و سائل إعلام متطورة إنما تنقل الأخبار عن طريق الرسائل و الرواة، فمثلا نأخذ المدينة المنورة، و الشام، كانت المسافة بينهما تصل إلى 30 يوما سيرا على الدواب، فيقع الحدث في المدينة المنورة، و ما أن تصل إلى الشام إلا بعد شهر من الزمان، تكون خلاله قد استجدت مستجدات لم تؤخذ في الإعتبار.

و نحن نعيش في واقع طغت فيه المصالح على المبادئ و حب الزعامة و الإستبداد، و خلق لوبيات للضغوط السياسية و الإقتصادية، كما يفعل اللوبي الصهيوني في أمريكا و غيرها و من عجائبهم أنهم جعلوا الصحابيين الجليلين طلحة و الزبير، يشكلان لوبيا للضغط على أهل الشورى لكي يبايعوا عثمان بدل عليا لأجل تحقيق الثروة المالية، ذلك أن عثمان كان سخيا مرنا عكس علي الذي كان شديدا في هذا الأمر.

بل زعموا أن الفتوحات الإسلامية كانت بهدف اقتصادي كما هو الحال بالنسبة للإحتلال و التوسع "الإمبريالي" في العصر الحديث.

و أن الدولة الإسلامية كان فيها يمين يدعم النظام، و يسار يدافع عن الطبقة "البروليتارية" و غير ذلك من الإسقاطات التي استعملت عند تناولهم التاريخ الإسلامي.

و هناك مسألة مهمة في منهج تعاملهم مع التاريخ الإسلامي ألا و هي:

المزيد


ورقات في كتابة التاريخ الإسلامي

يونيو 22nd, 2007 كتبها محمد البويسفي نشر في , دراسات تاريخية

تمهيد : التاريخ علم جليل ، عظيم الفوائد ، به تعرف أحوال الأمم الماضية وسير الأعلام الفانية ، وهو عرض الأمة إذا انتهك تاريخها انتهك عرضها ، وإذا سلم سلم عرضها وسار ينظر إليها بعين الرضى.
وماضي الأمة يحدد مستقبلها ، والمستقبل ملك لمن أدرك التاريخ واستوعبه ، ذلك أن اليوم وليد الأمس وجنين المستقبل – كما يقال. والعاقبة لمن فقه التاريخ وأحسن دراسته.
والأمة الإسلامية لها تاريخها الحافل بالمنجزات العظام ، وهذا التاريخ له ميزة خاصة ، ذلك أنه تاريخ خير خلق الله : الرسول (ص) وصحابته رضوان الله عليهم ، وتابعيهم وتابعي تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين ، وهم الذين أعطوا الصورة العملية النموذجية للإسلام ، وهم الذين حملوا لنا هذا الدين.
وبالتالي فإن تشويه التاريخ الإسلامي هو تشويه وطعن في حملة الإسلام ومبلغيه ، وإذا طعن في الحامل لم يسلم المحمول.
أضف إلى ذلك ظروف تدوينه ، فمن المعلوم أن عصر التدوين كان حوالي قرنين بعد الهجرة ، وخلال هذه الفترة حدثت أحداث وفتن وظهرت فرق وأشياع ، كل يحاول تلميع صورته وتشويه صورة الآخر. ثم جاء دور المستشرقين فألفوا ما ألفوا من الكتب وحرفوا ما حرفوا من الحقائق… وما أن انتهى المستشرقون حتى جاء تلاميذتهم من المتغربين فحملوا لواء الهجوم على التاريخ الإسلامي حتى صوروه لنا مشوها مزيفا.
بناء على كل ما سبق يجد المسلمون أنفسهم في حاجة إلى عصر تدوين جديد ، يصححون فيه الأخطاء ويقوموا الإعوجاج ويفندوا الأباطيل والأكاذيب وفق منهج سليم يراعي خصوصية التاريخ الإسلامي وظروف تدوينه.
وذلك بتحقيق الروايات التاريخية وفق الموازين النقدية التي اعتمدها علماء الحديث خاصة " علم الجرح والتعديل " ثم إعادة صياغته حسب الضوابط الشرعية ، فهو تاريخ دين وعقيدة قبل أن يكون تاريخ حروب وتطاحنات سياسية.
هذا ما سنحاول التفصيل فيه في هذه الصفحات إن شاء الله.
ظروف تدوين التاريخ الإسلامي
كان عصر التدوين في العهد العباسي بعد الهجرة بحوالي 200 سنة ، فسار المؤرخون يسمعون الأخبار والروايات عن أحداث ووقائع حدثت ، منها ما مضى على حدوثها قرن ونصف من الزمن ، ومنها ما مضى عليها قرن أو نصفه ، وبقيت أخبارها تروى وتنقل عن طريق الرواية جيلا عن جيل ، اعتمادا على الحفظ والذاكرة ، إلا أن هذه الأخبار قد سقط بعضها نتيجة النسيان ، وقد زاد فيها أصحابها أو نقصوا ، وقد تتغير الأخبار وتحرف بفعل تعدد سلسلة الرواة ، فالخبر يتغير بين الأمس واليوم ، فما بالك بالسنوات الطوال. ثم إن عصر التدوين جاء بعد أن ظهرت فرق وأشياع ، فظرت الخوارج والشيعة وفرق أخرى ، كل يحاول تلميع صورته وتشويه صورة الآخرين.
فهذه شيعة علي من شدة حبها لأهل البيت، سارت تحمل على من يخالفها إلى درجة أنها أحدثت نصوصا تثبت من خلالها أحقية علي بالخلافة بدل أبي بكر، بل نجد عندهم روايات و أخبار تطعن في أبي بكر و عمر و تصفهما بأوصاف لا تليق بمقامهما.
و هناك يهود و نصارى و ماجوس دخلوا في الإسلام نفاقا، فأظهروا الإسلام و ساروا يحاربونه من الداخل لكي يثق بهم المسلمون، ثم لا يؤدوا الجزية. و ما فعلته الحركة السبئية من قتل عثمان - رضي الله عنه – و إثارة الفتن لخير دليل، حتى أصبحنا نسمع أن الصحابة – رضوان الله عليهم – أهل خدع وكذب و تحايل، و أصحاب مصالح ! و هم المشهود لهم بالصلاح من الله عز و جل "محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله و رضوان" "من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه و منهم من ينتظر و ما بدلوا تبديلا" "لقد رضي الله عن المؤمنين …" و هم الجيل الذي أخذ الإسلام من المنبع الصافي – القرآن و السنة – و طبقوه أحسن تطبيق فكانوا مسلمين نماذج قدوة لبقية الأجيال اللاحقة، و هم الذين نشروا الإسلام و فتحوا البلاد وحرروا العباد. قال الرسول (ص) "الله الله في أصحابي، لا تتخدوهم غرضا فمن أحبهم فبحبي أحبهم ، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، و من آذاهم فقد آذاني، و من آذاني فقد آذى الله و من آذى الله يوشك أن يأخذه"
بل إن الكذب لم يقتصر على الصحابة و التابعين فقط، و إنما تعداهما إلى رسول الله (ص) فكم من حديث زعموا أنه كلام رسول الله (ص) و ما هو كذلك، حتى قال بعضهم نحن لا نكذب على رسول الله (ص) و إنما نكذب له، فجاء علماء الحديث و صنفوا الأحاديث إلى: صحيح، حسن، ضعيف وموضوع، و وضعوا لذلك مصنفات و كتب.
ثم تعاقب الدول و الأسر الحاكمة، فالدولة التي تقوم على أنقاض سابقتها تحاول أن تبرز مساوئ و أخطاء الدولة السابقة، و محو إيجابيتها حتى تثبت أحقيتها بالحكم، و أنها حاربت الظلم و الطغيان، وجاءت بالعدل و الخير. فنشرت الأخبار و الروايات ضد سابقتها و تحتضن الكتاب و الرواة الذين يقومون بذلك، فهذه الدولة العباسية قامت على أنقاض الدولة الأموية و هكذا.
فجاءت هذه ا


المزيد