من أنت أيها الإنسان؟؟

فبراير 14th, 2009 كتبها محمد البويسفي نشر في , فكر إسلامي

 

الشيخ فريد الأنصاري*

من أنت..؟ أنا، وأنت!.. ذلك هو السؤال الذي قلما ننتبه إليه! والعادة أن الإنسان يحب أن يعرف كل شيء مما يدور حوله في هذه الحياة، فيسأل عن هذه وتلك، إلا سؤالا واحدا لا يخطر بباله إلا نادرا، هو “من أنا؟”. نعم، فهل سألت يوما نفسك عن نفسك: من أنت؟
ولعل أهم الأسباب في إبعاد ذلك وإهماله يرجع في الغالب إلى معطى وهمي، إذ نظن أننا نعرف أنفسنا فلا حاجة إلى السؤال، تغرنا إجابات الانتماء إلى الأنساب والألقاب، وتنحرف بنا عن طلب معرفة النفس الكامنة بين أضلعنا، التي هي حقيقة “من أنا؟” و”من أنت؟” ويتم إجهاض السؤال في عالم الخواطر؛ وبذلك يبقى الإنسان أجهل الخلق بنفسه، فليس دون الأرواح إلا الأشباح! ولو أنك سألت نفسك بعقلك المجرد: من أنتِ؟ سؤالا عن حقيقتها الوجودية الكاملة لما ظفرت بجواب يشفي الغليل! وإذن تدخل في بحر من الحيرة الوجودية!
أنا وأنتَ، تلك قصة الإنسان منذ بدء الخلق إلى يوم الناس هذا.. إلى آخر مشهد من فصول الحياة في رحلة هذه الأرض، وهي قصة مثيرة ومريرة!

القرآن يعرّف الأنسان بنفسه
ولذلك أساسا كانت رسالةُ القرآن هي رسالة الله إلى الإنسان؛ لتعريفه بنفسه عسى أن يبدأ السير في طريق المعرفة بالله؛ إذْ معرفة النفس هي أول مدارج التعرف إلى الله. وليس صدفة أن يكون أول ما نزل من القرآن: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾(العلق:1-2). ثم تواتر التعريف بالإنسان -بَعْدُ- في القرآن، في غير ما آية وسورة، من مثل قوله سبحانه: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا * إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾(الإنسان:1-3) وكذلك آيات السيماء الوجودية للإنسان، الضاربة في عمق الغيب، من قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلاَلَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ * ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ﴾(السجدة:6-9).
ومن هنا أساسا كانت قضية الشيطان -بما هو عدو للإنسان- هي إضلاله عن معالم الطريق، في سيره إلى ربه، بدءا بإتلاف العلامات والخصائص المعرِّفة بنفسه، والكاشفة له عن حقيقة هويته، وطبيعة وجوده، حتى إذا انقطعت السبل بينه وبين ربه، ألَّهَ نفسَه، وتمرد على خالقه.

الإنسان بين صراع الحق والباطل
ولم يزل الإنسان في قصة الحياة يضطرب بين تمرد وخضوع في صراع أبدي بين الحق والباطل إلى الآن. فكانت لقصته تلك عبر التاريخ مشاهدُ وفصول! وكانت له مع الشيطان ومعسكره معاركُ ضارية، فيها كَرٌّ وفَرٌّ، وإقبالٌ وإدبار! قال عز وجل حكايةً عن إبليس: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً * قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا * وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَولاَدِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلاً﴾(الإسراء:62-65). من أجل ذلك كان للإنسان في كل زمان قصة مع القرآن، وقصة مع الشيطان.
فيا حسرة عليك أيها الإنسان! هذا عمرك الفاني يتناثر كل يوم، لحظةً فلحظة، كأوراق الخريف المتهاوية على الثرى تَتْرَى! ارْقُبْ غروبَ الشمس كل يوم لتدرك كيف أن الأرض تجري بك بسرعة هائلة لتلقيك عن كاهلها بقوة عند محطتك الأخيرة! فإذا بك بعد حياة صاخبة جزءٌ حقير من ترابها وقمامتها! وتمضي الأرض في ركضها لا تبالي. تمضي جادةً غير لاهية -كما أُمِرَتْ- إلى موعدها الأخير! فكيف تحل لغز الحياة والموت؟ وكيف تفسر طلسم الوجود الذي أنت جزء منه ولكنك تجهله؟ كيف وها قد ضاعت الكتب كلها ولم يبق بين يديك سوى هذا “الكتاب”!؟
فأين تجد الهداية إذن يا ابن آدم، وأنى تجدها إن لم تجدها في القرآن؟ وأين تدرك السكينة إن لم تدركها في آياته المنصوبة -لكل نفس في نفسها- علامات ومبشرات في الطريق إلى الله؟ ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا * وَأَنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾(الإسراء:9-10).
نَعَم، بقي القرآن العظيم إعجازا أبديا، يحيى الموتى، ويبرئ المرضى، ويقصم قلوب الجبابرة، ويرفع هامات المستضعفين في العالمين، ويحوِّل مجرى التاريخ. وكل ذلك كان -عندما كان- بالقرآن، وبالقرآن فقط! وهو به يكون الآن، وبه يكون كلما حَلَّ الإبَّانُ من موعد التاريخ، ودورة الزمان على يد أي كان من الناس، بشرط أن يأخذه برسالته، ويتلوه حق تلاوته، وتلك هي القضية.
ماذا حدث لهؤلاء المسلمين؟ أين عقولهم؟ أين قلوبهم؟ أليس ذلك هو القرآن؟ أليس ذلك هو كلام الله؟ أليس الله رب العالمين؟ أليس الخلق -كل الخلق- عبيده طوعا أو كرها؟ ففيم التردد والاضطراب إذن؟ لماذا لا ينطلق المسلم المعاصر يشق الظلمات بنور الوحي الساطع، الخارق للأنفس والآفاق؟

حبل الله الممدود من السماء
ألم يقل الله في القرآن عن القرآن بالنص الواضح القاطع: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾(الحشر:21). فهل هذه خاصية ماتت بموت محمد رسول الله؟ أم إن معجزة القرآن باقية بكل خصائصها إلى يوم القيامة؟ ورغم أن الجو

المزيد


ثقافة الظل والوهم

أكتوبر 16th, 2008 كتبها محمد البويسفي نشر في , فكر إسلامي

 

عادة ما نكون إزاء الحديث عن الثقافة أمام إدراك حقيقي ووعي تام بالدورالذي يمكن أن تلعبه الثقافة داخل النسيج المجتمعي وبعدها الوظيفي في مد قناطر التواصل والحوار بين الشعوب والحضارات وردم الهوة والفجوات التي تزداد إتساعا بينها

 يوما بعد يوم بعد أن أضحى العالم يرى كفدرالية من الأديان والحضارات .وتصحيح التشوه الناتج عن قصور في الرؤية لدى الآخر والتلقي السلبي والساذج لصور نمطية مدججة بآلالاف الرسائل الأيديولوجية والطائفية والدينية والعرقية صورة هي حاصل لعلاقة الذات مع الآخر فكيف تعبر ثقافتنا عن نفسها .

لايجادل اثنان اليوم في كون الثقافة والتواصل الثقافي هو رهان الحاضر والمستقبل وكل الصراعات الآنية والآتية هي بالضرورة صراعات ثقافية ،صراعات وإن اقتنت لنفسها شعارات وأقنعة مموهة من قبيل حوار الحضارات والثقافات والأديان والمثاقفة ،وغيرها من شعارات المنتديات الباردة والجموع العامة والملتقيات المحنطة التي لا يحضرها إلا نخبة الخشب ،والمتأمل للمشهد الثقافي يدرك جيدا عمق الاستراتيجية المتبعة والمتبناة كوسيلة وغاية لعمليات من المسح والمسخ الذهني والطبوغرافي لخارطة وثقافة الأجداد والأسلاف والأرض ومغازلة الهويات المنهكة والممدة على رصيف الإنتظار والإنشطار ،ثقافتنا الآن تتفيأ ظلالها وتستريح من تعب يفتتها ،ثقافتنا الآن تشرب حزنها في إناءات الوطن ،تتمدد في عراء الإبتدال والاستلاب واغتراب الروح التي تصهل من ألم الخذلان والدهشة ،الثقافة كملمح وسمة وامتداد وتعبير عن هوية معينة هي ما يكفل حضورنا وتميزنا وكينونتنا في هذا العالم أليست “هويتنا هي ما يشعرنا بالفخر والبهجة والقوة والثقة ،والاعتزاز بالنفس وبالذات “بيد أن السياسة المجيدة لمغرب الثقافات تبعث على الضحك والسخرية والحسرة وطرح أودية من الأسئلة التي ترى أكثر من الأجوبة العمياء ،أسئلة تزيد في تشريد السائل وتحييره من كثرة التناقضات الصارخة والفاضحة ،فوزارة الثقافة التي تعد من أرقى الوزارات في جميع البلدان بدل أن تعمل على تلميع وإبراز الوجه المشرق للمغرب الثقافي بموروثه وتنوعه وتعدده تعمل فقط على إخفاء البثور والتشوهات والتجاعيد بنهج سياسات تجميلية وتنميقية تعتمد المساحيق وآخر منتجات التجميل من أجل صورة بيضاء مزيفة لأجمل بلد في العالم ،بلد يهين مثقفيه وفنانيه ومبدعيه ورجاله ،كاتب كمحمد شكري أعطى لطنجة التي أقامت في قلبه وسكنته قبل أن يسكنها وجعلها أيقونة ورمزا في أدب الهامش،أكثر مما أعطته وجعلها يوتوبيا لكل الحالمين داخل وخارج البوغاز ولكل المكتشفين وعابري السبيل وكل الآخرين .محمد شكري نموذج المثقف المغربي العصامي والوجه الآخر للمغرب الم

المزيد


القرضاوي يرد على كمال أبو المجد فيما يخص التشيع

أكتوبر 12th, 2008 كتبها محمد البويسفي نشر في , فكر إسلامي, هموم الأمة

وجه د. يوسف القرضاوي، رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، رسالة مفتوحة مطولة إلى المفكر الإسلامي د. أحمد كمال أبو المجد رد فيها على الانتقادات التي وجهها له أبو المجد على خلفية إثارة الشيخ لقضية المد الشيعي في الدول العربية السنية

في   ما  يلي  نص  رد  د. يوسف   القرضاوي   رئيس  الاتحاد العالمي  لعلماء المسلمين  على   مقال  للمفكر  أحمد كمال  أبو  المجد نشرته جريدة ” الدستور ” المصرية  يوم 30-9-2008.

“ردا على رسالة الدكتور أحمد كمال أبو المجد حول السنة والشيعة”

بسم الله الرحمن الرحيم
سعادة الأستاذ الدكتور أحمد كمال أبو المجد
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

ولقد قرأتُ رسالتك المنشورة في صحيفة (الدستور) المصرية، ودقَّقت النظر فيها.
وعجبتُ أن تصدر من مثلك، وأنت السياسي المجرِّب، والقانوني البارع، والإسلامي المعروف، وسليل العائلات الشرعية العريقة أبوَّة وخؤولة .

والذي أدهشني في الرسالة: أنك تخاطبني وكأنك لا تعرفني، ولا تعرف اتجاهي، ولا مواقفي ولا تاريخي الفكري والدعوي، على أننا طالما التقينا في مجالات شتَّى، في مصر، وفي قطر، وفي الجزائر، وفي البحرين، وفي الأردن، وفي روما، وفي غيرها. وما كنتُ يوما من الأيام مهيِّجا ولا داعيا إلى فتنة ولا فُرقة. بل داعية إلى التقريب بين الفرق الإسلامية، وحين سعيتُ إلى تأسيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، دعوتُ فيه ممثِّلين لكلِّ الفرق والمذاهب المتَّبعة والمعروفة في الأمة، التي لم تنشق عن الأمة تماما، ولم تمرُق من الإسلام وعقائده الأساسية.

فدعوتُ إخوة يمثِّلون كلَّ الطوائف والمذاهب الإسلامية: من الزيدية، ومن الإمامية الاثنى عشرية، ومن الإباضية، وكان من الذين دعوتهم: آية الله محمد علي تسخيري، الذي عرَفتُه منذ سنين طويلة، وجَّهتُ إليه الدعوة، ورشحتُه لمجلس الأمناء، ثم للمكتب التنفيذي، بل رشحتُه ليكون أحد نوابي، وأوصيتُ بانتخابه، وهذا كلُّه في إطار حرصي على التقريب، والتوحيد، وهو تتمَّة لما قمتُ به في هذا المجال من المشاركة في مؤتمرات التقريب، التي عُقدت في الرباط، وفي دمشق، وفي البحرين، ثم في الدوحة.

ولكن دعوتي إلى التقريب لم تكن مطلقة، بل كانت مقيَّدة، وكانت مشروطة، فمنذ مؤتمر المغرب، وأنا أبصِّر وأذكِّر بالعقبات التي تقف في سبيل التقريب، وبدون معالجتها يصبح التقريب مجرَّد مؤتمرات تُعقد وتنفض، وتُسفر عن قرارات وتوصيات هي حبر على ورق.

من هذه العقبات التي أكَّدتها في كلِّ مؤتمر:

1. الموقف من القرآن الكريم، وأنه كلام الله المكتوب في المصحف، لا يقبل الزيادة ولا النقصان.
2. الموقف من الصحابة وأمهات المؤمنين، الذين نقلوا إلينا القرآن، وحفظوا لنا السنن، وهم تلاميذ المدرسة المحمدية، وهم الذين فتحوا الفتوح، وأدخلوا الأمم في الإسلام، فلا غرو أن أثنى عليهم القرآن، وأثنى عليهم الرسول، وجعل قرنهم خير القرون بعد قرنه، كما سجَّل لهم التاريخ بطولات وصفحات ومواقف أخلاقية بمداد من نور. فلحساب مَن نشوِّه تاريخ هؤلاء الأبطال؟ ولماذا يريد بعض منا أن يصوِّر تاريخ خير قرون الأمة وكأنه ظلمات بعضها فوق بعض؟.
3. التوقف عن نشر المذهب الاعتقادي في البلاد الخالصة للمذهب الآخر. فإنك قد تكسب عشرة أو عشرين أو مائة أو مائتين، أو ألفا أو ألفين، ولكن حين يكتشف المجتمع أنك تحاول تغيير عقائده، ومحاربه مذهبه، سيتَّجه إليك باللعنة، وستقف الملايين كلُّها ضدَّك، ولكن الخطورة أن يتأخر هذا الاكتشاف.
4. الاعتراف بحقوق الأقلية، الدينية والسياسية، سواء كانت الأقلية سنية أم شيعية.

وهذا ما صارحتُ به الإخوة في إيران حين زرتُهم منذ عشر سنوات، في الولاية الثانية للرئيس محمد خاتمي، الذي يتَّمتع بأفق رحب، وعقل متفتِّح، والذي قابل تحيتي بمثلها، حينما حضر إلى الدوحة منذ سنتين للمشاركة في أحد المؤتمرات، وأصرَّ على أن يزورني في بيتي.

كما صارحت المشايخ وآيات الله حيثما لقيتُهم، في طهران، وفي قم، وفي مشهد، وفي أصفهان، المدن التي زرتُها.

من شأن النذير أن يصرخ:

وما تمنيتموه من أن لو كان إعلان موقفي هذا بيني وبين إخواني من علماء الشيعة في إطار محدود، بدل إعلانه على عوام الناس في الصحف, أقول: هذا قد تمَّ يا دكتور خلال أكثر من عشر سنوات, تمَّ في مؤتمرات التقريب, وتمَّ خلال زيارتي لإيران سنة 1988م بيني وبين علماء طهران وقم ومشهد وأصفهان. وتمَّ فيما كتبتُه من بحوث ورسائل آخرها رسالة (مبادئ في الحوار والتقريب بين المذاهب “الفرق الإسلامية”), ولكني وجدتُ أن المخطط مستمر, وأن القوم مصمِّمون على بلوغ غاية رسموا لها الخطط, ورصدوا لها الأموال, وأعدُّوا لها الرجال, وأنشأوا لها المؤسسات، ولهذا كان لابد أن أدقَّ ناقوس الخطر, وأجراس الخطر -يا دكتور- لا تؤدِّي مهمَّتها ما لم تكن عالية الصوت, تُوقظ النائم, وتنبِّه الغافل, وتُسمع القريب والبعيد. أرأيتَ أجراس إنذار الحريق؟ وما تُحدثه من دويٍّ هائل قد يُزعج بعض مرهفي الحساسية, ولكن هذه طبيعتها.

وأنا أردتُ أن أنذر قومي, وأصرخ في أمتي, محذِّرا من الحريق المدمِّر الذى ينتظرها إذا لم تَصْحُ من سكرتها, وتتنبه من غفلتها, وتسدَّ الطريق على المغرورين الطامحين الذين يطلقون الشرر فيتطاير, ولايخافون خطره!.

أنا النذير لقومي يا دكتور, والنذير لا يجلس في غرفة مغلقة ويصيح، وسيعلم المخالفون من قومي من قريب أني أنا المصيب وهم المخطئون, ولا أحبُّ أن أتمثَّل بقول الشاعر:

أمرتهمو أمري بِمُنْعَرَجِ اللِّوَى  فلم يستبينوا النصح إلا ضحى الغد!
وقد قال تعالى في شأن قوم: {وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ * حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ} [القمر: 4، 5].

على أن ما نبَّهت عليه، وما حذَّرت منه -يا دكتور- واضح كلَّ الوضوح, كالشمس في ضحى النهار, لا يحول دونه

المزيد


مشكلات الأبعاد الحضارية للمصطلحات

أغسطس 14th, 2008 كتبها محمد البويسفي نشر في , فكر إسلامي

إن الترجمة بالإعتماد على المعاجم اللغوية المتادولة توقع المترجم في مشكله من نوع خاص.إذ إن مصطلحات مثل cultureوscienceوhommeو…. لاتطرح ترجمتها مشكلة من الناحية اللغوية،إلا ان الدلالات التي تستعمل بها في الثقافة الغربية تختلف اختلافا كبيرا عن الدلالات التي تحملها الألفاظ المقابلة لها في اللغة العربية.وقد تناولتها في ابحاث سابقة المصطلحات الثلاثة التي أشرنا إليها بتفصي في محاولة لبيان وجهة نظرنا هذه وسنعطي في هذه الفقرة مختصرة عن المشكلة واهميتها.

فمن المصطلحات المتداولة والشائعة بين الباحثين في مجال علم النفس ،لدرجة أن احدا لا يجشم نفسه عناء البحث عن مدلولاتها،مصطلحا:الإنسان والعلم.ولعمل مصدر هذه اللآمبالاة هو كون الباحثين المعاصرين في علم النفس يعتقدون انهم يقدمون معرفة صالحة لجميع بني”الإنسان”،مادام انهم يقدمونها تحت لافتة”العلم” غير ان هؤلاء يغفلون عن ان مصطلحي الإنسان والعلم ليس لهما معنى موحد في الثقافات الإنسانية المختلفة.وهذا المشكل لا يطرح عادة في الأوساط الغربية،بالنظر إلى أن هناك تطابقا تاما بين فهم كل من الباحثين المتخصصين وبقية المجتمع للمصطلحات المستخدمة في علم النفس.لكن الأمر يختلف عندما يراد نقل المعارف النفسية من المجتمعات الغربية التي انتجتها إلى مجتمعات أخرى بقصد الإستفادة منها في فهم الظواهر النفسية الخاصة بهذه الأخيرة،أو بهدف استثمارها في المجالات التطبيقية المختلفة.إذ يطرح في هذه الحالة مشكل اختلاف دلالة المصطلحات من ثقافة إلى اخرى.ونظرا لما تكتسيه مسألة نقل المعرفة الغربية إلى مجتمعاتنا الإسلامية من خطورة،فإننا نود تنبيه المنشغلين بعلم النفس في مجتمعاتنا على ضرورة إعادة النظر في المصطلحات المتداولة بينهم،لأننا لا نتكلم نفس اللغة التي يتكلمها الغربيون.

فنحن حين نستعمل لفظ”الإنسان”في اللغة العربية نقصد به هذا الكائن الذي خلقه الله عز وجل من قبضة من طين ونفخة من روح وجعله خليفة في الأرض وسخر له مافيها ليعبده ويوم بعمارة الأرض وإصلاحها.وسيحاسبه الله عز وجل على مدى قيامه بواجبه بعد فناء هذه الدنيا ويجازيه إما بالجنة وإما بالنار جزاءا أبديا لانهاية له.بينما حين يستعمل الباحثون الغربيون في علم النفس مصطلح homme  فهم يقصدون به حيونا متطورا ومادة لاروح فيها.لذلك من غير المقبول ترجمة هذا المصطلح الأخير بمعنى الإنسان،بل قد يكون اللفظ العربي الأقرب للتعبير عن دلالة المصطلح الغربي هو “البشر”.فهذا اللفظ المستعمل في العربية للدلالة على ما له صورة الإنسان حتى وإن لم يكون في حقيقته إنسانا،كما جاء في قوله تعالى : “فأٍسلنا إليه روحنا فتمثل لها بشرا سويا”(مريم16)

كذلك نجد اننا نستعمل مصطلح “العلم” في اللغة العربية للإشارة إلى تلك الميزة التي شرف الله تعالى بها آدم وذريته على سائر خلقه واستحق

المزيد


مشكلات استيعاب المعرفة النفسية

أغسطس 12th, 2008 كتبها محمد البويسفي نشر في , فكر إسلامي

مشكلات استيعاب المعرفة النفسية

هذا المستوى من المشكلات أخطر بكثير من مشكلات المستوى السابق.ومن أقرب الأمثلة على هذا المصطلح “علم النفس” نفسه.فقد وضع الأصل الآتيني لهذا المصطلح في القرن الثامن عشر على الأرجح من كلمتين يونانيتين: psuk وتعني الروح او النفس و logos وتعني دراسة أو مبحث.وكان اللفظ المركب منهما يدل على مبحث من مباحث ما وراء الطبيعة موضوعة دراسة النفس أو الروح.

وقد تم التخلي عن التعريف السابق منذ منتصف القرن التاسع عشر،وحين وصلت المعرف المتعلقة بهذا الميدان إلى الدارس العربي في العقود الأولى من القرن العشرين

كان موضوعه قد استقر على دراسة السلوك ولم يعد احد من الباحثين الغربيين يستعمل مصطلح psychology بمعنى دراسة النفس او الروح.بل إن بعض الباحثين الأمريكيين اقترح استعمال behaviorology  (علم السلوك) بدلا منه، لأن هذا المصطلح أقرب للدلالة على موضوع البحث في هذا الميدان.غير أن المستهلك العربي لم يتفطن لهذه المفارقة،وبدلا من ترجمة دلالات المصطلح كما وصلت إليه في بداية القران الحالي،نجد انه اكتفى بترجمة حرفية بسيطة كما لو انه كان يعيش في القرن الثامن عشر يوم كانت دلالة ذلك المصطلح لا تتعدى المعنى اللغوي للكلمتين اللتين ركب منهما.وإذا كان الباحثون ي الدول المصدرة للمعرفة النفسية قد احتفظوا بالمصطلح القديم -رغم تجاوز دلالته الأصلية-فذلك لاعتبارات تاريخية لا غير،وليس لدى المستهلك العربي منها شيء.

وقد ترتب عن هذا الخطإ في الترجمة أن أخطأ القارئ العربي فهم موضوع “علم النفس”بشكل منظم،لدرجة أن عددا من المختصين أصحاب النوايا الطيبة الذين يحاولون العمل على تأصيل هذا العلم في ثقافتنا الإسلامية وقعوا ضحية لهذا الخطأ.

فبدلا  من تأصيل الموضوع الحالي لعلم النفس اتجهت جهود هؤلاء إلى البحث في معاني “النفس” في القرآن الكريم والسنة النبوية،وإلى كتابات السابقين عن احول النفس من أمثال الغزالي وابن القيم الجوزية معتبرين أن ذلك هو البديل الإسلامي لعلم النفس المعاصر.

كما انه ترتب عن ذلك الخطإ في تسمية علم النفس أول الأمر ان انتشر المصطلح الخاطئ بشكل واسع يجعل محاصرته الآن واستبداله بمطلح آخر أمرا يكاد يكون مستحيلا.وليس أدل على هذا من أننا ونحن ننبه على الواقع لا نملك إلا أن نستمر في استعمال مصطلح”علم النفس”على عواهنه.في انتظار أن يحصل اتفاق بين المشتغلين بهذا الميدان على مصطلح آخر،وإن يكن هذا حلما بعيدا في نظرنا.

وهناك مثال آخر على الإضطراب المصطلحي لدى المترجمين العرب وجدته في عمل الكاتب “عطوب محمود ياسين” الذي نشره تحت عنوان”قضايا نقدية في علم النفس المعاصر”.فحسب المعلومات التي اطلعت عليها في الكتاب فإن مؤلفه متخصص في علم النفس العيادي،غير انه تناول موضوعا بعيدا جدا عن هذا التخصص هو أعمال الباحث السويسري جان بياجي تحت عنوان مثير:”جان بياجي بين أنصاره وخصومه”.

وإذا كنا نعلم أن بياجي قد كتب بالفرنسية أساسا،فإن الأستاذ عطوف ياسين لم يطلع على اعمل بياجي بلغتها الأصلية بل مترجمة إلى الإنجليزية التي أثبتها أمام الترجمات التي اختارها لها.ولا يخفى أنه كلما تمت الترجمة من نصوص غير أصلية إلا وازداد احتمال الوقوع في أخطاء نتيجة الانزلاقات اللغوية.ولنأخذ كمثال على ذلك المصطلحات الفرنسية التي استعملها بياجي لتسمية مراحل النمو ومقابلاتها الإنجليزية التي ترجمها عطوف ياسين بعد ذلك إلى اللغة العربية:

 

المصطلحات العربية          المصطلحات الإنجليزية            المصطلحات الفرنسية

   حسي حركي                 perceptual                     sensori-moteur

ما قبل المفهومي              pr-conceptual         pr-opratoire     

العمليات المحسوسة     concerte processes        topratoire concre

 

من قراءة جدول المصطلحات أعلاه،يتبين أن الترجمة لم تكن سليمة إلا في حالة واحدة(حسي حركي)وحتى في هذه الحالة لم يكن المصطلح الإنجليزي الوسيط مطابقا للأصل الفرنسي.

إن الكاتب يستعمل مصطلحات غربية عن فكر بياجي تماما مثل العمر العقلي،وهذا يدل على أن الكاتب يخلط بين الاتجاهين القياسي للذكاء-وهو السائد في الأبحاث لأنجلو ساكسونية- ونمو الذكاء العملياتي الذي يتميز به بياجي.ولا يبدو لنا من قراءتنا للنص أن الكاتب قد استوعب شيئا من الأسس والخلفيات المعرفية التي وجهت اعمال مدرسة بياجي.


المزيد


مشكلات ترجمة المصطلح في علم النفس

أغسطس 10th, 2008 كتبها محمد البويسفي نشر في , فكر إسلامي

مشكلات ترجمة المصطلح في علم النفس

ذ.عبد الناصر السباعي 

إن  ترجمة المصطلحات هي المهمة الأكثر إلحاحا على المشتغلين بعلم النفس في الوطن العربي الإسلامي، إذ أن أدبيات علم النفس المتداولة حاليا باللغة العربية منقولة كلها من اللغات اللاتينية إما على شكل ترجمة مباشرة وإما عن طريق الاقتباس والتصرف ولا توجد أية استمرارية بين جهود السلف في مجال دراسة الظواهر السلوكية وبين علم النفس كما نتداوله حاليا في جامعاتنا ومعاهدنا.فقد ادخل علم النفس إلى المنطقة ضمن مواد النظام التعليمي الذي فرضه المستعمر الصليبي كبديل للمنظومة التعليمية الإسلامية في إطار مخططه لترسيخ هيمنته على العالم الإسلامي وطمس معالمه الحضارية،ورغم مرور عقود من الزمن على احتكاك الدارسين العرب بهذا المجال المعرفي فإنهم لم يتمكنوا من الإسهام فيه بإبداعاتهم حتى الآن،بل اقتصر همهم على محاولة استيعاب ما ينتجه الغربيون بترجمة أعمالهم ودراساتهم؟والعمل داخل الإطار النظري الذي ترسمه النظريات والدراسات الغربية.

وإذا كانت الترجمة عملية ضرورية للتمكن من استيعاب المعرفة الغربية الغازية قبل العمل على نقدها واقتراح الطريقة المناسبة لمواجهتها والحد من خطرها،فإنها ينبغي لكي تؤذي دورها أن تتم بشكل سليم يغني اللغة العربية ويشجع على استعمال هذه اللغة في تداول المعرفة النفسية.غير أن الوضع الحالي للكتابات النفسية العربية أقل ما يقال عنه إنه غير مشجع،ويدفع المتخصصين إلى تجنب قراءة الدراسات النفسية بلغاتها الأصلية إن أمكن أو مترجمة إلى إحدى اللغتين:الفرنسية أو الإنجليزية على الخصوص.

ونود منذ البداية أن نستبعد بعض الأفكار الشائعة حول مشكلات الترجمة إلى اللغة العربية والتي تدور حول التشكيك في قدرات هذه اللغة على مواكبة التطور المعرفي السريع الذي يعيشه العالم اليوم.فمثل هذه الأفكار إنما هي نتيجة أو أثر للتربية الفاسدة التي درج عليها أبناء الأمة الإسلامية في عصور الانحطاط.فقد تعودنا أن ننسب إلى الآخر دائما مظاهر عجزنا ونقصنا ونحمل الآخر- سواء إنسانا أم حيوانا أم جمادا-مسؤولية فشلنا وتقصيرنا.فالمترجمون العرب لا يقرون أبدا بأن تكوينهم اللغوي والمعرفي هو السبب في رداءة ترجماتهم،بل يضعون وزر ذلك على عاتق الل


المزيد


النص الثابت والواقع المتغيّر : كيف نوفّق بينهما ؟

أغسطس 3rd, 2008 كتبها محمد البويسفي نشر في , فكر إسلامي

يتساءل كثير من الكُتاب والمفكرين المعاصرين الذين يتعاملون مع القضايا الإسلامية بصورة مباشرة أو غير مباشرة ومنهم : محمد سعيد العشماوي ، محمد شحرور ، محمد أركون الخ . . . عن كيفية التوفيق بين نصوص ثابتة ( القرآن والسنة ) وواقع متغيّر ، وهم من أجل حل هذه الإشكالية يصدرون أحكاماً جديدة مخالفة للأحكام الإسلامية السابقة ، ويتعلّلون بأنّ تلك الأحكام كانت نتاج واقع اجتماعي واقتصادي وسياسي وثقافي معيّن ، لذلك ومع تغيّر هذا الواقع يجب أن يتغيّر الحكم ، فهل هذه المشكلة حقاً مشكلة جديدة ؟ وهل يجوز أن نُصدّر أحكاماً مجرّدة من أية ضوابط من أجل حل هذه المشكلة ؟

          المشكلة ليست جديدة بل قديمة قِدَم النص القرآني ، ونحن من أجل تسهيل مناقشتها يمكن أن نُجزّئها إلى قسمين :

1- النصوص المتعلّقة بالعقيدة وبالأُسرة وبالحدود الخ . . .

2- النصوص المتعلّقة بالاجتهاد بشكل عام .

          أما بالنسبة للنصوص المتعلّقة بالعقيدة وبالأسرة وبالحدود فقد جاء ثبات أحكامها من ارتباطها بالجانب الثابت من كيان الإنسان الذي أطللق عليه القرآن مصطلح “الفِطرة” فقال تعالى : { فِطْرَة اللهِ التي فَطَرَ النَّاسَ عليها لا تَبْديلَ لِخَلْقِ اللهِ } (الروم:30) ، ومن مظاهرة الفِطرة الثابتة على مدار التاريخ : التعبُّد ، حب المال ، حب التملك ، التجاذب بين الذكر والأنثى ، الخوف الخ . . . ، لذلك وُجِدت نصوص عالجت هذه الجوانب الفِطرية .

          ففي مجال التعبُّد بيّنت النصوص صفات الله الذي يجب أن يتّجه المسلم إليه بالعبادة ، وبيّنت أنواع العبادة من صلاة وصيام وزكاة وحج ، ووضّحت كيفيّتها وأوقاتها ، وبيّنت أجر المُتعبِّد وعُقوبة غير المُتعبِّد .

          وفي مجال التملّك والمال ، فقد أباحت النصوص التملّك وحلّلت بعض طُرُق الكسب وحرّمت بعضها الآخر ، قال تعالى : { وأَحَلَّ اللهُ البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبا } (البقرة:275) ، ووضّحت أوجه انفاق المال فحرّمت الإسراف والتبذير ، ووضعت حدّ السرقة لمن يدفعه الطمع إلى التعدّي على مال غيره ، ووضعت الضوابط المُتعدّدة لهذا الحدّ .

          وفي مجال التجاذُب بين الذكر والأُنثى ، دعت النصوص إلى الزواج وتكوين الأسرة ، واعتبرت الزواج هو الطريق المشروع للعلاقة بين الاثنين وحرّمت ما عدا ذلك ، لذلك بيّنت نصوص كثيرة الحقوق والواجبات لكل من الزوجين والأولاد ، وبيّنت أحكام الطلاق والميراث ، ووضّحت عقو

المزيد


مفهوم النهضة في الخطاب العربي

أبريل 26th, 2008 كتبها محمد البويسفي نشر في , فكر إسلامي

مفهوم النهضة في الخطاب العربي

تأملات في الخلفية المؤسسة

د. عبد الحمن قشيش

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على رسوله الأمين وعلى صحابته أجمعين، اللهم افتح لنا أبواب الرحمة وأنطقنا بالحكمة واجعلنا من الراشدين فضلا منك ونعمة.

وبعد،

تنطلق هذه المداخلة من مفردة أساسية تتعلق بطبيعة الترسانة المفاهمية التي تتم مقاربة المفهوم أو معالجته من طرف الفكر العربي، ونقول: إن تلك الترسانة المفاهمية ضمن مجال تداولي يخالف المجال التداولي الإسلامي العربي، وإصرار المفكر العربي على التترس بها أربك حديثه عنها، عن النهضة، وجعل هذا تاريخ هذا الحديث منذ بواكره الأولى إلى الآن تاريخ استبدال المفاهيم ليس إلا، فمفهوم النهضة من المفاهيم الحادثة في الفكر العربي المعاصر، فهي ترجمة لكلمة "la renaissance" ولذلك ظلت سمة هذا الحديث العامة هي التقليد بخصوص مفاهيمها ومسالكها، كما تواترت عند من تولى كِبر هذا الحديث من المفكرين العربي، لقد درج أغلب المفكرين على منطق الحكمة والدرس، وتقسيم خيارات الفكر العربي المعاصر إلى ثلاثة:

-        الداعي إلى الرجوع إلى التراث

-        والمتماشي مع الغرب

-        والتيار التوفيقي

نروم في هذه المداخلة إلى وضع هذه المسلمة على مشرحة النقد والمساءلة، ولعلى هذا النوع من المعالجة للموضوع يشكل لبنة في مسيرة بيان مقاصد المفكرين العرب، من أجل الوقوف على تهافتها قصد إقامة صرح العمران البشري، واعتبار هذه العملية في ذاتها، إنما هي إعادة بناء له، بعد أن تزعزعة دعائمه في مرحلة تاريخية حاسمة من تاريخ هذا المجال التداولي، فأقول وبالله التوفيق: منذ مدة ليست باليسيرة دأب بعض الدار سين والباحثين في العالم العربي على إطلاق مصطلح أو فكر النهضة على تيارات سياسية وفكرية في الصحف والمجلات، والكتب، تدور حول مقولة التطوير والاستنارة والنهضة، والتقدم، ولكثرة استخدمت هذه التسمية تحولت إلى شبه مصطلح مجرد ينطبق على حالات حزبية معينة ويؤشر إلى أسماء وأعلام يتم تداولها في الساحة الثقافية والفكرية، والسؤال هل صحيح أن العالم العربي دخل مرحلة عالم النهضة حتى نطلق التسمية على أولئك الأفراد والرموز والصيغات، وهل مسألة النهضة مجرد قول؟ أم هي أساسا مسألة تاريخية؟ وهل النهضة نتاج نخبة ومشكلة فكرة؟ أم هي نتاج مجتمع يتفاعل ويتطور تاريخيا؟ وأخيرا، هل النهضة التي عرفتها أوربا هي النموذج الوحيد، وأنه لا مجال للتفكير والبحث عن طريق آخر بنسبة مغايرة؟

كل هذه الأسئلة تصب في سؤال كبير: هل من المعقول أن يكون الفارق الزمني بين نهضة أوربا ونهضتنا، كما يشير البعض، أنها قامت مع الغزو النابوليوني لمصر، أو في عهد محمد علي باشا، وأنه بينهم مدة وأنها مسافة طويلة، ما أن نجتازها فكريا حتى نستطيع تجاوزها تاريخيا، إن كل مصطلح متجدد في تفكير حضاري له لغته المعجمية ومرتبط إلى ظواهر بعينها دون غيرها، كما أنه بنفس القدر يحتوي على وجهة نظر مَن نَحَته، وزاوية نظره واجتهاده ويزداد الأمر تعقيد إذا كانت المصطلحات ذات طابع عقائدي، من مصلحته الترويج له، ولذا نجد كثيرا من المصطلحات قد تكون مستقرة في سياقها التاريخي والحضاري وتفي بالغرض الذي دقت من أجله لدرجة معقولة، لكنها تصبح لا معنى لها في غيره، ولربما تؤدي إلى التزوير والتضليل، ولعلى مصطلح : "العصور الوسطى"     مثلا مصيب في هذا الصدد، فالعصور الوسطى في الغرب عصورا تقع بين العصور القديمة والحديثة التي تبدأ بما يسمى ب" عصر النهضة" حسب أهل الغرب على الأقل، ولكن حين ينقل لا معنى له، ونفس الأمر يسري على مصطلح عصر النهضة نقطة تحول شبه كاملة في التاريخ العربي، وجه نظر أهل الغرب، وهذا تحول إيجابي في منظوره وحسب رؤيته، لكن أن يُستورد هذا المصطلح ليوصَف به التاريخ العربي بعد وصول الحملة الفرنسية، وتراجع المد الإسلامي، وبداية ا

المزيد


من أجل منهاج تجديدي في الفكر والعلوم الإسلامية (رؤية منهجية)-2-

أبريل 5th, 2008 كتبها محمد البويسفي نشر في , فكر إسلامي

في تحديات الجبهة الخارجية

أقتصر فيها على قضيتين أساسيتين:

أولا: ودون التوغل في التاريخ القديم نجد أن تحديات هذه الجبهة ابتدأت بشكل منظم مع الحملات الاستعمارية الحديثة على العالم الإسلامي، والتي عملت على استنبات نماذجه الفكرية والثقافية وإحلال نظمه السياسية والاقتصادية. والمقصود بالغرب هنا -كي نتجنب التعميم- الغرب الاستعماري الاستعلائي، الممجد لنزعات القوة والهيمنة والتسلط، والقهر لشعوبه وشعوب العالم. والذي لا يرى ذاته إلا مركزا وغيره إلا أطرافا وهوامش.

فمنذ الفصل مع الفكر اللاهوتي الكنسي، وعمليات التفكيك العلمانية الكبرى التي تعرض لها كل فكر لاهوتي غيبي، حيث أعلن عن موت الإله، بدأت عمليات تحطيم القيم والثوابت والمطلقات والأخلاق وكل ما لا يخضع للحس والتجريب. وعمليات استدراج وسحب الإنسان من موقعه كمركز مؤسس للحضارة، في إطار فلسفة التكريم له، والتسخير لما حوله، إلى كونه دائرا في فلك مادي جدلي طبيعي واستهلاكي نفعي. وقد نجحت الفلسفات المادية إلى حد كبير في تحويل عالم غيب الإنسان إلى عالم طبيعته، وأن تجعل بدل جنته الأخروية فردوسا أرضيا زائفا، وفق محددات صارمة كالربح والإنتاج ورأس المال والاستهلاك والمتعة واللذة والحرية والإشباع .. لدرجة السيولة الشاملة حيث يمكن التمييز بين الإنسان الإنساني والإنسان الطبيعي.

فأخطر مشكلات الإنسان الغربي، والتي غدت مشكلات كونية بحكم الهيمنة والتوسع، هي مشكلة فلسفة الإنسان نفسه، الذي لم يبق كائنا مركبا بأبعاده الروحية والعقلية والجسمية بمعتقداته وقيمه وأخلاقه … حيث تم تبسيطه إلى عنصر طبيعي. وعجزت علوم الغرب الإنسانية عن حل مشكلاته الاجتماعية، كما عجزت علومه الصناعية عن تحقيق وعدها بالمجتمع السعيد وبالفردوس الأرضي، فتفاقمت مشكلات الإدمان والشذوذ والانحراف والانتحار والجريمة وحرية الأقليات المتمركزة حول ذاتها ومشاكل الأسرة ونماذجها واللا معنى واللا غاية في الحياة .. وغير ذلك مما يعكس قصور وعجز منظومة الفكر المادي، والتفسير المستغني والمستكفي بذاته عن أية إضافة أو ترشيد وتسديد خارجي.

وها هنا يأتي دور الفكر الإسلامي باعتباره فكرا إنسانيا كذلك، لعموم خطاب رسالته وكونها رسالة الناس، ليسهم في حل ما عجز الفكر الغربي عن حله انطلاقا من عقيدة التوحيد التي تضفي على حياة الإنسان ووجوده المادي الغائية والقصدية، وتؤطر الإنسان بفلسفة تكريم كلية مستوعبة، والكون والطبيعة بفلسفة تسخير وإعمار لخير الإنسانية. وهذا مدخل أساس من مداخل البناء الكوني الإنساني لفكرنا الإسلامي، والتحرر ولو نسبيا من قطريته وإقليميته وقوميته. بإمكانه كذلك أن يرد الاعتبار لذات الأمة إذا كانت إجابتها وحلولها في مستوى التحديات، وأن يشحذ فاعليتها ويبعث ثقتها في ذاتها وخصائصها من جديد.

أن يسهم الفكر الإسلامي كذلك، في السياق ذاته، في نقد مخلفات وآثار التوجه المادي الصناعي العبثي والأعمى نحوالربح ولا شيء غير الربح، ولو كلف ذلك حروبا مدمرة للبشرية، وإتلافا لمقدرات وخيرات الطبيعة، وتلويثا للبيئة، وتسلحا نوويا وغازات سامة … وما إليها. وباختصار أن يؤتى الغرب من جهة فقره وعجزه وأن ينفق الفكر الإسلامي من جهة غنى الإسلام وقدرته.

ثانيا: أما القضية الثانية، فهي في كون مداخل التغريب والاستلاب وبتعبير البعض: مقدمات الإستتباع، فكرية ثقافية بالدرجة الأولى، حيث نجح الغرب في صك وترويج مجموعة من "الدمغات والأختام الجاهزة…" مصطلحات ومفاهيم، ذات قدرات تأثيرية عالية منذ عصر نهضته إلى عصر عولمته (كالنهضة، والتقدم والأنوار… إلى الحداثة وما بعد الحداثة والعولمة، وما صاحب ذلك من مفاهيم ومصطلحات مكملة) كالحرية والديمقراطية والعقلانية والعلمانية والقومية والليبرالية… وغيرها، حيث تلقت تيارات الفكر العربي والإسلامي المعاصر هذا الطوفان من المفاهيم تلقيات مختلفة يمكن إجمالها في مواقف ثلاث مختلفة: موقف التبني الكامل والانخراط الكلي فيها بكامل حمولتها الغربية التاريخية، وموقف الرفض الكلي الشامل لها باعتبارها وافدة من مستعمر مخالف في الملة، وموقف توفيقي (تلفيقي) يحاول أن يضع رجلا هنا ورجلا هناك. وكلها مواقف لم تسعف لا في تحصين


المزيد


من أجل منهاج تجديدي في الفكر والعلوم الإسلامية (رؤية منهجية)-1-

مارس 27th, 2008 كتبها محمد البويسفي نشر في , فكر إسلامي

لا شك أن للعلوم، كل العلوم، غايات ومقاصد، تحقق الرؤى والفلسفات الكامنة وراءها والمؤطرة لها. والعلوم الإسلامية لا تشد عن هذا الاطراد. بل هي أكثر العلوم، إطلاقا، ارتباطا بالغائية والمقصدية لارتباطها بالدين. وأعتقد أن غايات ومقاصد العلوم الإسلامية ثلاث كلية لا تكاد تخرج عنها:

- أن تحقق الهداية والصلة بالله تعالى.

- أن تخرج الإنسان المستخلف الرسول.

- أن تبني مجتمعها وتسهم في إعمار الكون.

وهذا الذي فعله الإسلام في صدره الأول، في القرون الخيرة الثلاثة خصوصا، حيث كانت هذه الأهداف، مجتمعة غير منفصلة ومتكاملة غير متقابلة، تشكل دوافع الإنسان للبذل والعطاء.

لكن الناظر إلى حال هذه العلوم، راهنا وتاريخيا يجد أنها لا تكاد تحقق واحدة من تلك الغايات والمقاصد، فكيف بها مجتمعة. وهذا ما يطرح تساؤلا حول مادة هذه العلوم نفسها، والتي تحتاج إلى إعادة بناء أواستئناف من داخل الأصول المؤسسة لا من خارجها. فهناك أصول تؤسس المعرفة وهناك أصول أسستها المعرفة. وللأسف تاريخيا كان الاشتغال بما أسسته المعرفة لا بما يؤسسها. ثم في منظومة الإسلام التوحيدية الموحدة. لا يمكن لتلك الغايات أن تنفصل عن بعضها أو تستقل وإلا اختل النظام كله وتعذر الإنجاز.

لذا، فالحاجة داعية إذن إلى النظر المنهجي الكلي إلى هذه العلوم من زاوية منطلقاتها وأصولها، ومن زاوية أهدافها وغاياتها، ما تحقق منها وكيف؟ وما لم يتحقق منها ولم ؟ وهذا الذي نروم تقريبه من خلال هذه المعالجة المنهجية السريعة.

 الإشكال تاريخي أولا

ذكر السيوطي في كتابه "تاريخ الخلفاء" عن الحسن البصري، قوله بان أصول الانحراف في الأمة ، أصلان كبيران. أما الأول فهو طروء أو ظهور فرقة الخوارج، أما الثاني فهو فساد نظام الحكم. ولا يخفى أن العلة الأولى هي إشارة إلى الانحراف الفكري التصوري سواء في جانبه العملي (تكفير مرتكب الكبيرة)  أو في جانبه العقدي (الحاكمية لله)، حيث كانت فرقة الخوارج من أوليات الفرق التي نظمت مقولاتها في أطر منهجية عملية وعقدية تصورية ثابتة وقارة، وخاضت من أجلها معاركا وحروبا.

ثم إن الإشارة إلى هذه الفرقة، بقدر ما هي إشارة إليها بالذات، هي إشارة كذلك بالتبع، أي لما تلاها وتبعها من فرق تعددت وتفرعت وانقسمت بالشكل الذي تمزقت به -أو كادت- وحدة الأمة في أسسها العقدية كما في تجلياتها العملية. خاصة إذا أضفنا إلى هذا، انقلاب وظيفة الكلام من الدفاع إلى الاحتراب الداخلي في قضايا الغيب والعقيدة التوقيفية. وكونه تزامن مع ركود وجمود مماثل طال الجانب الفقهي (في إطار المذاهب) بعد انتهاء مرحلة الأئمة المؤسسين. ولنقل أن هذا الطابع العام الذي وجه فكر وثقافة الأمة، وفيه تقررت علوم ومفاهيم، وتأسست تصورات وأفكار، تخص قضايا المسلمين في مجتمعاتهم وعلاقاتهم الداخلية، كما تحدد تصوراتهم وعلاقاتهم بالأخر الأجنبي عنهم. هذا دون أن نغمط الاستثناءات التجديدية حقها، على المستوى الفكري العام أو المتخصص، بدءا بالشافعي نفسه وليس انتهاء بالسيوطي كما زعم، والتي ما يزال معظمها في حيز الكمون دون الاستثمار اللازم.

أما الإشارة الثانية فمتعلقة بفساد نظام الحكم وانحرافه عن المنهج الشوري وغلبة مظاهر الاستبداد والجور عليه. وليس غرضنا تتبع هذا الجانب وإن كان لا يخرج عن كونه قضية من القضايا الفكرية في الأمة كذلك.

فهذه جبهة الذات, حيث نمت وترعرعت العلوم الشرعية قاطبة، وحيث عرفت في مجملها دورانا محليا دون استئناف تجديدي يؤهلها للمواكبة. وإذا كان الأصل في هذه العلوم أن تكون تابعة للوحي الخالد تتجدد بتجديد النظر فيه، والكشف عن شيء من مكنونه، فإن الإشكال الكبير الذي وقعت في أسره إلى الآن، أنها استقرت على أسس تاريخية (مذهبية) أكثر منها شرعية، وأضحت متبوعة باعتبارها أصولا ثابتة لا تتغير. فأخذت بالممارسة التاريخية من صفات الوحي ما لا يجوز إلا للوحي، وتصدرت مكانه. أمسى الوحي تاليا لها في الرتبة والاعتبار شاهدا لها لا عليها. فلا ندرس ولا ندرس في جامعاتنا من القرآن إلا علوما تاريخية ولا من السنن إلا علوما ولا من الفقه إلا تاريخه ولا من الفكر والعقيدة إلا ت

المزيد