نشرت إحدى الجرائد في عددها ليوم الخميس 03/07/2008 تقريرا بعنوان: رئيس المجلس العلمي يبرر إباحة ضرب الزوجة، وتحته تصريح لوزيرة التنمية الاجتماعية والأسرة والتضامن نزهة الصقلي تقول فيه: إني أرفض أن يوظف الدين لتشجيع العنف ضد النساء، وإلى جانبه تصريح مماثل لرئيسة الرابطة الديمقراطية لحقوق المرأة فوزية العسولي. وقد جاء المقال ردا على نص مقتطف من فتوى اقتبستها جريدة التجديد ونشرتها في عددها لفاتح يوليوز 2008. وبما أن ما نشرته تلك الجريدة تضمن تصرفا في النقل وأخطاء وتجاوزات متعددة، فقد تعين إيضاح الموقف من خلال مناقشة ما ورد في التقرير وفي موقف الوزيرة. 1- إن المقال الذي نشرته جريدة التجديد هو مقتطف مستل من إجابة أجبت بها أحد زوار موقع إسلام أون لاين بتاريخ 10 /04/2005 وقد وجه إلي سؤالا عن حكم ضرب الزوج زوجته، فكان الجواب أطول مما أوردته جريدة التجديد. وفيه حاولت إقناع السائل بعدم اتخاذ قول الله تعالى: «واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن» [النساء 34] مستندا لضرب الزوجة، لأن الآية هي في مؤداها أسلوب قرآني رفيع في تمرير لحظة الغضب، وفي إحالة الزوج على إجراءات متطاولة في الزمن من شأنها أن تساعد على تهدئة النفوس ليكون الزمن جزءا من العلاج، ولتطرأ على الحياة الزوجية مستجدات كثيرة تجعل كلا من الزوج والزوجة يراجع موقفه، ويكفي من ذلك أن نعلم أن الهجر يمكن أن يمتد شرعا إلى أربعة أشهر هي مدة الإيلاء. وبهذا الاعتبار فإن الحديث عن الضرب الذي تسبقه خطوتان متطاولتان في الزمن لا يكون عمليا أكثر من تلويح به، لأنه من المستبعد أن يستمر الغضب مدة طويلة، ولهذا لا يمكن أن يكون إذاية جسدية بقدر ما يراد به كسر حالة النشوز والتأبي المؤدية إلى تفكيك الأسرة في حال استمرارها. ومن مقاصد الآية العملية أنها تحول بين الزوج الغاضب وبين جميع التصرفات الآنية المستعجلة ومنها: الضرب المفاجئ والنطق بالطلاق، وارتكاب ما يعرف بجرائم الشرف. إن الحديث عن ضرب المرأة يشبه إلى حد بعيد ما قرره الإسلام من حرمة طلاق الزوج زوجته في طهر يكون قد مسها فيه، فيتعين عليه أن ينتظر حتى ينتهي ذلك الطهر ثم تحيض ثم تطهر، وهي فترة كافية لجعل الرجل يعدل عن الطلاق أصلا. وحين يلتزم الأزواج خطوات الآية فإن من المستبعد أن نجد حالة ضرب تتم وفقا لخطاب القرآن، لأن ضرب النساء يقع في حالة الاستسلام للغضب أو في حالات الوقوع تحت تأثير الخمور والمخدرات، وهي حالات يقع فيها أشخاص هم أبعد الناس عن الالتزام بهدي الدين وتوجيهه. وقد أثبتت المتابعات أن الاعتداء على النساء أصبح مقترنا بالاغتصاب والاختطاف. وتأكد أن أكثر الممارسين للاعتداء لا تربطهم بالنساء المعتدى عليهن أية علاقة أسرية، وقد ورد في تقرير وزارة العدل عن ممارسة العنف ضد النساء خلال سنة 2007 أن %82,55 من حالات الاعتداء تقع خارج الأسرة. ومعنى هذا أن المعتدين ليسوا أزواجا ولا يمكن أن يقال إنهم متأثرون بتوجيه العلماء لأنهم مجرد مجرمين يتسلطون على النساء والرجال والأطفال على حد سواء. وإذا كانت الإحصاءات العالمية تسجل أن امرأة واحدة من ثلاث نساء قد تعرضت للعنف من أجل ممارسة الجنس، ليكون العدد مليار امرأة. وإذا كانت امرأة واحدة تضرب في الولايات المتحدة كل 15 ثانية على يد شريكها أو زوجها، وإذا كانت امرأة تغتصب في كل 90 ثانية في الولايات المتحدة، وإذا كانت أكثر من 25000 امرأة تتعرض للضرب في فرنسا سنويا، وإذا كانت امرأتان تقتلان أسبوعيا في بريطانيا، وإذا كان فيلسوف كبير كالفيلسوف الفرنسي ألتوسير يخنق زوجته بدم بارد، فهل يكون من خدمة قضايا المرأة إلصاق الظاهرة بالدين بدل البحث موضوعيا عن العوامل الكامنة وراء الظاهرة محليا وعالميا؟ وليست تلك العوامل في الحالة المغربية إلا انتشار الأمية والجهل بقيمة الأسرة وانتشار الخمور والمخدرات، واستغلال بعض الجهات للوضع من أجل التحريض وإذكاء الصراع والمواجهة داخل الأسرة، بدل نشر ثقافة الوئام والانسجام والتكامل والتحمل من أجل أن تستمر الأسرة. 2- نتمنى أن لا يكون وراء التقرير الذي نشرته تلك الجريدة نية مبيتة أو قصد إلى الإساءة إلى العلماء، وإلى فتح باب المواجهة معهم، وإلى استهداف الرمز الديني، كما أنه أبان عن انعدام الأمانة العلمية لدى صاحبه بتحكمه في النقل، وعن انعدام المهنية بتقصيره في البحث والتقصي. إن الأمانة العلمية في التقرير لا تتّسق وحجب مقاطع من الفتوى لو أبرزت لتبلورت الرؤية الصحيحة، ولما اجتذب الكاتب القارئ إلى موقف خاطئ، ومن تلك المقاطع المحذوفة تلك التي أقول فيها: إن ضرب المرأة فيه ولا شك إهانة لكرامتها… وإن الواقع العملي الذي عاشه النبي صلى الله عليه وسلم يفسر طبيعة العلاقة بين الزوج والزوجة، إذ لم يؤثر عنه صلى الله عليه وسلم أنه ضرب إحدى زوجاته، بل إنه لم يضرب بيده أحدا إلا أن يضرب بسيف في حالة الجهاد. والأمة تعي جيدا أن الحديث عن فعل الرسول صلى الله عليه وسلم ليس من الأدبيات أو من الحكاية التاريخية التي تزين بها المقالات، وإنما هو دعوة إلى الاقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم في شأنه الأسري بموجب قول الله تعالى:» لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر» [الأحزاب21]. ولو أن صاحب التقرير أعطى نفسه متسعا من الوقت ولم تستخفه العجلة فرجع إلى شبكة إسلام أون لاين، ولو أنه تابع القضية في أي موقع بحثي لوجد الفتوى حاضرة يقرأها الناس إلى الآن في كل بقاع الأرض. ويعنيني أن أورد بعض ما أهمله صاحب التقرير مما هو مثبت في الفتوى منذ أكثر من ثلاث سنوات وفيه أقول: إن الزواج مؤسسة شرعية قد جعل الله لها سقفا تعيش تحته هو حال المودة والرحمة والسكينة التي يتعين أن تتوفر في البيت الإسلامي. وقد كان مالك رحمه الله يقول في ما حكاه عنه القاضي عياض في ترتيب المدارك: «جنة الرجل بيته»… فإذا لم تتوفر ضمانات العيش الهنيء والسكينة والمحبة المتبادلة، كان البيت المؤسس غير جدير بأن يكون بيتا إسلاميا… إن الذي يقدم عليه الأزواج في مختلف بقاع العالم وهم في حالة سكر أو فقدان للوعي أو التوتر الشديد، حيث لا تتوقع الزوجة أنها عرضة لأن تضرب، وهو فعل يتكرر يوميا ضد النساء، غير مسنود بدليل من الشرع أو بإيحاء من نصوصه وتعاليمه. وبعد هذا كله هل يصح أن ينتهي من يفهم الخطاب ويأخذ النصوص بجملتها ولا يتصرف فيها بالإلغاء والشطب إلى أن الفتوى تبيح ضرب النساء، وهي التي تحيل على التأسي بالرسول صلى الله عليه وسلم في التعامل مع نسائه؟ إن المؤسف حقا أن الذين اغتربوا عن ثقافة مجتمعهم قد أصبحوا عاجزين كل العجز عن قراءة النصوص، وأصبح سوء القصد لديهم يسوغ لهم أن يقفوا على: ويل للمصلين. 3- إن قضية تعنيف المرأة لا يمكن التعلق بها وتوظيفها بنجاح في عملية تحريض المجتمع عموما ومجتمع النس















